فهرس الكتاب
وقال أيضًا: (ونحن ما نعتمد في كل ما نذكره إلا على ما يلقي الله عندنا من ذلك، لا على ما تحتمله الألفاظ من الوجوه ... فأخبرني الروح الذي أخذت منه ما أودعته في هذا الكتاب ... ) [1] .
وقد وصف ابن عربي الحاتمي الحالات التي وراء النظر العقلي [2] بقوله: إنه (من علوم التلقي والتدلي فلا يحتاج إلى ميزان آخر) .
وقبله قال [3] : (فشتان بين مؤلف يقولك حدثني فلان-رحمه الله-عن فلان-رحمه الله-وبين من يقول: حدثني قلبي عن ربي، وإن كان هذا الأخير رفيع القدر، فشتان بينه وبين من يقول: حدثني ربي عن ربي، أي: حدثني ربي عن نفسي) .
وهل بعد هذا البيان من بيان، بل: وهل بعد هذا الضلال من ضلال، ولا أظن أن هناك أحدًا في دنيا الناس-حاشا غلاة الرافضة وغلاة الصوفية-شم رائحة الإيمان، أو: ما يشبه رائحته يشك-قيد أنملة-في ضلال قائل هذا الهراء، والحق أبلج، والباطل يتلجلج، ولا يحبق فيه عنزان [4] .
ونقل ابن الجوزي في كتابه: (تلبيس إبليس) (ص:362) عن ابن عقيل أنه قال: ("ومن قال حدثني قلبي عن ربي"فقد صرح أنه غني عن الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ومن صرح بذلك فقد كفر، فهذه كلمة مدسوسة في الشريعة تحتها هذه الزندقة، ومن رأيناه يزري على النقل علمنا أنه قد عطل أمر الشرع، وما يؤمن هذا القائل: حدثني قلبي عن ربي أن يكون ذلك من إلقاء الشيطان فقد قال عز وجل:(وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) وهذا هو الظاهر، لأنه ترك الدليل المعصوم وعول على ما يلقى في قلبه الذي لم تثبت حراسته من الوسواس).
يقول الشعراني في: (طبقاته) (1/ 5) [5] : (اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك أن الرجل لا يكمل عندنا في مقام العلم حتى يكون علمه عن الله عز وجل بلا واسطة من نقل، أو: شيخ، فإن من كان علمه مستفادًا من نقل، أو: شيخ فما برح عن الأخذ عن المحدثات وذلك معلول عند أهل الله عز وجل ... ولو أنك يا أخي سلكت على يد شيخ من أهل
(1) -انظر: (الفتوحات المكية) (2/ 297/370) .
(2) -انظر: (الفتوحات المكية) (3/ 109) .
(3) -انظر: (الفتوحات المكية) (1/ 257) .
(4) -انظر: (الأغاني) (15/ 381) ، و (البيان والتبيين) (2/ 15) ، أو: (تحبق فيه عَناق) . حبق من باب: ضرب: أي: ضرط.
والعناق: كسحاب: الأنثى من أولاد المعز، يضرب المثل في الأمر لا يعبأ به، والثأر لا يدرك، ولفظه عند الميداني: (لا تحبق في هذا الأمر عناق حولية) . والحولية: التي أتى عليها الحول. انتهى من هامش كتابي: (الإتحاف) (ص:286) .
(5) -على أن الشعراني يصرح أنهم دسوا له في كتبه، وكذب عليه كثيرًا الحسدة.