فهرس الكتاب
وشغل بإصلاح الخلق، فلا يستحيل أن يكون في الوجود شخص مكاشف بالحقائق ولا يشتغل بإصلاح الخلق، وهذا لا يسمى نبيًا بل: يسمى وليًا ... وقال في آخر الباب: فلنقتصر على ما ذكرناه فإنه كافٍ للاستحثاث على المجاهدة وطلب الكشف منها).
ويقول ابن عربي في: (فتوحاته) (2/ 360) : (وهؤلاء الأولياء لا يلزمهم إقامة الدليل على صدقهم بل: يجب عليهم الكتم لمقامهم ولا يردون على علماء الرسوم فيما ثبت عندهم مع علمهم بأن ذلك خطأ في نفس الأمر) .
بل: يفضلون علم الكشف المزعوم على ما عند الملائكة الحفظة من العلم، فقد استدل الغزالي في: (إحياء علومه) (3/ 28) على هذا الهراء بقول من سماه عارفًا قائلًا: (سألت بعض الأبدال عن مسألة مشاهدة اليقين-فالتفت إلى شماله فقال: ما تقول-رحمك الله؟ -ثم التفت إلى يمينه فقال: ما تقول رحمك الله؟ ثم أطرق إلى صدره وقال: ما تقول رحمك الله؟ ثم أجاب بأغرب جواب سمعته، فسألته عن التفاته فقال: لم يكن عندي في المسألة جواب عتيد، فسألت صاحب الشمال فقال: لا أدري، فسألت صاحب اليمين-وهو أعلم منه-فقال: لا أدري، فنظرت إلى قلبي وسألته فحدثني بما أجبتك فإذا هو أعلم منهما-أي: من الملكين!) .
ويقول الجيلاني لأحد طلبة العلم الشرعي: ( ... يا جاهل اترك الدفتر من يدك وتعال اقعد ههنا بين يدي على رأسك، العلم يؤخذ من أفواه الرجال لا من الدفاتر، يؤخذ من الحال لا من المقال، يؤخذ من الفانين عن أنفسهم وعن الخلق، الباقين بالحق عز وجل) [1] .
قال أبو يزيد البسطامي المتوفي سنة: (261 هـ) ناعيًا على علماء الشريعة ومفاخرًا لهم: (أخذتم علمكم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، يقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون: حدثني فلان، وأين هو؟ قالوا: مات، عن فلان، وأين هو؟ قالوا: مات) [2] .
(1) -انظر: (طبقات الشعراني) (الفتح الرباني) (ص:14/ 15) .
(2) -انظر: (الفتوحات المكية) (1/ 365) ، و (الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة) (ص:99) لشيخنا ومجيزنا عبد الرحمن عبد الخالق.