فهرس الكتاب
بينهم تنافر أوجب كلام بعضهم في بعض، وهذه غمرة لا يخلص منها إلا العالم الوافر بقواعد الشريعة، ولا أحصر لك ذلك في العلم بالفروع المذهبية، فإن كثيرًا من أحوال المحقين من الصوفية لا يفي بتميز حقه من باطله علم الفروع، بل: لا بد مع ذلك من معرفة القواعد الأصولية، والتمييز بين الواجب، والجائز، والمستحيل العقلي، والمستحيل العادي، فقد يكون المتميز في الفقه جاهلًا بذلك حتى بعد المستحيل عادة مستحيلًا عقلًا).
ثم يقول: (وهذا المقام خطر شديد، فإن القادح في المحق من الصوفية معادٍ لأولياء الله تعالى، وقد قال-سبحانه-فيما أخبر عن نبيه-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-:"من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة" [1] ، والتارك لإنكار الباطل مما يسمعه عن بعضهم تارك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، عاصٍ لله تعالى بذلك) [2] .
ولما قرأت كل هذا: قلت: كيف تصدر هذه القواصم من هذا الإمام-الشعراني-ثم تبقى كذلك إلى هذا العصر بدون ما يكون هناك عواصم لها، (وهو من هو) ، فقررت أن أبحث في كتبه، وكتب من ترجم له: لأرى هل ما يُنسَب للشعراني صحيح-بعيدًا عن التعصب المذهبي-أم هو مجرد افتراء، فتوصلت إلى أن أعداء الإمام الشَّعْرَانيّ: دَسّوا عليه الكثيرَ من الضلالات، وأشاعوا عنه أشياء زعموا أنه-هو من (وضعها في كتبه، وتَبَنَّى نشرها في حياته وأقاموا الدنيا عليه ولم يقعدوها، مع أنه ما عُرِف عنه إلا التمسكُ بكتاب الله، وسنة رسوله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-بل: لقد عَدَّ تَمَسُّكَهُ بالكتاب والسنة من النِّعَم الكبرى التي أنعم الله بها عليه، فكيف يخالفهما، أو: يَنشر
(1) -وقد انفرد البخاري بتخريج هذا الحديث من بين أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة برقم: (6502) ، وقد روي أيضًا عن عائشة، وأبي أمامة، وأنس، وابن عباس، وحذيفة، وغيرهم، وللذهبي كلمة معروفة، وللألباني دراسة مهمة حول هذا الحديث في: (سلسلة الأحاديث الصحيحة) لمن أراد أن يرجع إليها.
وقال شيخنا المحدث الزكي والذكي أبو إسحاق الحويني-حفظه الله تعالى، وشفاه-في: (الفتاوى الحديثية المسمى:"إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث") (1/ 19/22/رقم:6) : ( ... أما حديث:"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب ..."، فهو حديث صحيح، من مفاريد البخاري، ولشيخنا الألباني-رحمه الله تعالى-تحقيق ممتع عليه، وأودعه في:(سلسلة الأحاديث الصحيحة) (4/ 183/193) ، والله أعلم).
قلت: (وقد تلاعب عبد العزيز الغماري بقواعد التحديث بشكل عشوائي في رسالته الصغيرة-حسًا ومبنىً ومعنىً-التي أسماها:"إثبات المزية بإبطال كلام الذهبي في حديث:(من عادى لي وليًا) فجدع وسب دون وثار وجدَّع كعادة كثير من الغماريين في ردودهم)."
(2) -انظر: (أصول الفقه عند ابن دقيق العيد) (ص:88) .