فهرس الكتاب
ونحن إذا قرأنا هذا في كتاب كَتَبَهُ رجلٌ على هذا القدر من الثقافة الشرعية الرصينة، والوعي الصوفي الحذر، فإن ما كتبه يستهوينا بلا شك، ولكننا نعود من رحلة استهوائنا هذه إلى تقرير أن المسألة أحد أمرين:
1 -إما أن كون الشعراني قد أصيب بمرض عقلي دفعه إلى هذا الهراء، وهو ما لم يحدث، ولو حدث لسارع أعداؤه على تسجيله وإذاعته، وما أكثر أعداءَه في عصره، وبعد عصره.
2 -وإما أن يكون هذا الكلام مدسوسًا عليه من أعدائه أدعياء التصوف؛ لترويج خرافاتهم عن طريقه؛ لأن هذه الخرافات كانت وما زالت تشكل جزءًا رئيسيًا من ثقافة هؤلاء الأدعياء من العامة وأشباههم، أو: لتشويه سمعة الإمام الشعراني العلمية والسلوكية؛ تنفيسًا عن حقد وعداوة له بسبب ذيوع صيته، واحترام الناس له، وكشفه لهؤلاء على حقيقتهم.
فقد بطل بالسبر والتقسيم ما أشيع عن الإمام الشعراني، وقد أخبر-هو نفسه-عما ما ابتلي به من حصول الدس في كتبه، وبين أسبابه، وأعلن براءته منه، وملازمته الكتاب والسنة في جميع ما يقوله ويسطره في مؤلفاته، فقال-موضحًا ذلك ومفصلًا، وهو كلام دقيق لمن أراد الحق والإنصاف: (ومما من الله تبارك وتعالى به علي، صبري على الحسدة والأعداء لما دسوا في كتبي كلامًا يخالف ظاهر الشريعة، وصاروا يستفتون علي زورًا وبهتانًا ومكاتبتهم في الباب السلطان ونحو ذاك، اعلم يا أخي:
1 -أن أول ابتلاء وقع لي في مصر من نحو هذا النوع، أني لما حججت سنة سبع وأربعين وتسعمائة زور علي جماعة مسألة فيها خرق لإجماع الأئمة الأربعة، وشاع ذلك في الحج وأرسل بعض الأعداء مكاتبات بذلك إلى مصر من الجبل فلما وصلت إلى مصر، حصل فيها هرج عظيم حتى وصل ذلك إلى إقليم الغربية والشرقية والصعيد وأكابر الدولة بمصر فحصل لأصحابي غاية الضرر فلما رجعت إلى مصر ... وأجد غالب الناس ينظر إلي شزرًا، فقلت: ما بال الناس؟ فاخبروني بالمكاتبات التي جاءتهم من مكة، فلا يعلم عدد من اغتابني، ولاث بعرضي إلا الله.
2 -ثم إني لما صنفت: (البحر المورود في المواثيق والعهود) ، وكتب عليه علماء المذاهب الأربعة بمصر، وتسارع الناس لكتابته، فكتبوا منه نحو أربعين نسخة، غار من ذلك الحسدة، فاحتالوا على بعض المغفلين من أصحابي، واستعاروا