فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 1077

إن الأُمَّة عمومًا وأهالي فلسطين خصوصًا كانوا ينتظرون منكم القيام بواجبكم الشرعي تحريضًا على الجهاد واستنهاضًا للهمم له وحثًا للناس عليه وتأييدًا ودعمًا للناهضين بأعبائه من الأفراد والجماعات. وما كانوا يتوقعون منكم مثل هذه الفتوى التي تؤثِّم المجاهدين لتحرير الأقصى وفلسطين، نعم تؤثمهم؛ لأنهم بعملياتهم الجهادية ضد اليهود يخرقون اتفاق غزة-أريحا الذي وقعه"وليُّ أمر المسلمين في فلسطين"كما زعمتم، وخرقُ اتفاقٍ وقعه وليُّ أمر المسلمين لا يجوز. وبهذه الفتوى تثبطون وتصيبون بالإحباط أولئك الذين قدموا الآباء والأبناء والأخوان والأزواج شهداء في سبيل الله لتحرير القدس وفلسطين، لأنهم بمقتضى هذه الفتوى يكونون ماتوا على معصية لأنهم خرقوا اتفاقًا عقده"وليُّ أمر المسلمين في فلسطين"هذا معنى كلامكم ومقتضى فتواكم، فهل تعون ما تقولون؟! أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ

خامسًا: إن ما يبعث على الخوف والقلق ليس مجرد صدور هذه الفتوى منكم، ولكن الأدهى أن هذه الفتوى صدرت بمقتضى منهج متبع من قبلكم في إصدار مثل هذه الفتاوى، أهم ما يميزه:

1.أنه ينطلق من مبدأ مجاراة حكام السوء في أهوائهم السياسية، ومواقفهم على تصرفاتهم.

2.وفي سبيل ذلك يتعسف الأدلة ويلوي أعناق النصوص لتستجيب لتلك الرغبات.

3.وإذا لم تسعف النصوص القابلة لذلك في الواقعة والمعروضة أبهم الحكم بصورة يتوصل بها الحكام لمرادهم.

4.أنه قائم على الجهل بالواقع الذي هو مناط الحكم ولا تجوز الفتوى على جهل به.

5.ولأنه مبني على رغبات الحكام المتقلبة فقد اتسم بكثير من التناقض والتعارض.

وقد أوردنا في رسالتنا السابقة من الأمثلة ما يشهد بصدق هذا الكلام.

ولا يخفى ما في هذا المنهج من البطلان الظاهر والفساد الجلي لأنه قائم على التشهي والمحاباة في إصدار الفتاوى وهذا - كما يقول ابن القيم رحمه الله -:"حرام باتفاق الأُمَّة، وهذا مثل ما حكى القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض أهل زمانه ممن نصب نفسه للفتوى أنه كان يقول إن الذي لصديقي علي إذا وقعت له حكومة أو فتوى أن أفتيه بالرواية التي توافقه وهذا مما لا خلا ف بين من يعتد بهم في الإجماع أنه لا يجوز ... وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر، والله المستعان." [أعلام الموقعين 4/ 211] .

هذا حكم المفتي الذي تَشَهّى باختيار الأقوال التي توافقه، وقد قيل بها قبله، فما حكم من يتشهى بإنشاء أقوال وفتاوى مخالفةً لإجماع السلف والخلف؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت