ثم تتابعت الأحداث بعد ذلك إلى عام 1404 هـ وكانت أول معركة نحضرها في أفغانستان، فلما رأينا حال المجاهدين وما هم فيه من ضعفٍ وقلة حيلة، لامَ الإنسان نفسه كيف تأخر كل هذا الوقت عن نصرة المسلمين المجاهدين في سبيله؟!
حتى شعُر أنه لا مكفرَّ أفضل من أن يقتل في سبيله، حتى يُكفَّر عنه ما تأخر وما توانى في نصرة إخوانه المجاهدين.
وإن كان لي من نصيحة أوجهها لإخواني المسلمين في أنحاء المشرق والمغرب، فإني أنصحهم أن يبادروا ويدركوا الركب لكي يرفعوا ويعينوا على رفع راية الجهاد في سبيل الله -سبحانه وتعالى؛ فهي خير راية، وخير الناس هم المجاهدون في هذه الأمة، وخير الناس هم أهل بدر وأحد وأهل الحديبية، فضلَّهم الله -سبحانه وتعالى- بعظيم هذه المنزلة العظيمة والمكانة وهو يصف المؤمنين المجاهدين المهاجرين في سبيله بأعظم صفة في سبيل الله، بأعظم صفة وهي صفة الإيمان، هذه النعمة الكبرى العظمى، صفة الإيمان الحق يصف بها المجاهدين في سبيله -سبحانه وتعالى- حيث يقول بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} ؛ فصفة الإيمان الحق يُثبتها سبحانه وتعالى للمؤمنين في سبيله، ويثبت لهم صفة الرضوان، الذين خرجوا ابتغاء ما عند الله وخرجوا لينصروا دين الله -سبحانه تعالى-؛ لأنهم علموا أن مسلمًا واحدًا قُتل فما كان منهم يوم الحديبية إلا أن مدّوا أيدهم يبايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أجل أن يجاهدوا في سبيل الله، ويثأروا لدم مسلم واحد، وعند ذلك أنزل الله -سبحانه وتعالى- من فوق سبع سماوات مثبتًا رضاه ورضوانه عن الذين يقاتلون لإعلاء كلمة الحق، ويثأرون لدم مسلم واحد، فقال -سبحانه وتعالى- بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} ؛ فلا يمكن لمسلم أن يسمع بأن مسلمًا يُقتل أو يُسلب أو يُنتهك أو يُعتدى على دينه، ويقفُ مكتوف الأيدي كما تقف النساءُ والخوالف، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وهذه الصفة العظيمة يمتدح الله -سبحانه وتعالى- بها خير الناس محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وصحبه، بعد أن ذم المنافقين القاعدين عن الجهاد في زمانه -عليه الصلاة والسلام-؛ حيث يقول -سبحانه وتعالى-: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ * لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ؛ فهو يمتدح خير الناس بالإيمان والجهاد، وهما من أعظم صفات هذا الدين، الإيمان والجهاد في سبيل الله، وينفي عن القاعدين المنافقين ينفي عنهم الفقه، وينفي عنهم العلم؛ لأنهم لا يعلمون ما أعد الله -سبحانه وتعالى- للمؤمنين المجاهدين في سبيله، ولو علموا لخرجوا يجاهدون في سبيل الله.
فأوصي إخواني من المسلمين أن يتداركوا ما فات، ولا سبيل لإعلاء راية الجهاد ولإعلاء راية الإسلام أفضل وأسرع وأمكن من سبيل الجهاد، ولا يمكن أن يرد بأس الكفار إلا كما علمنا الله -سبحانه وتعالى- بالآيات البينات