فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 1077

جراحُ المسلمين غائرة، غائرة جدًّا في كل مكان ولكن جراحنا اليوم في أعظم مقدساتنا، في البيت العتيق، في الكعبة المشرفة في مسجد نبينا عليه الصلاة والسلام، بعدما خَذَلْنا مسرى نبينا عليه الصلاة والسلام في القدس، ها هم الصليبيون واليهود قد تحالفوا وغزوا دار الإسلام في عقر دارنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فلئن كانت تلك مصائب عظيمة وغائرة إلا أن مصيبتنا في البيت العتيق هي أشدها وأعظمها وأوجعها وآلمها، هذا البيت وما أدراك ما عظمة هذا البيت عند الله سبحانه وتعالى! هذا البيت هو أول بيت وُضع للناس، اختار له الله سبحانه وتعالى أبا الأنبياء إبراهيم من أولي العزم من الرسل عليه الصلاة والسلام وابنه إسماعيل عليه السلام لكي يقوموا ببنائه، مِن تشريفه سبحانه وتعالى لهذا البيت لا يبنيه العُمال وإنما يبنيه أبو الأنبياء عليه الصلاة والسلام، هذ البيت شأنه عظيم جدًّا، ولا يقبل الله سبحانه وتعالى منا فرضًا من هذه الصلوات الخمس من عمود الدين إذا لم نتجه إلى البيت العتيق، ولم يُصَب المسلمون في طول تاريخهم منذ بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام لم نُصب بمثل هذه المصيبة قط، لم يستطع الكفار أن يعتدوا على البيت العتيق من قبل وإنما حاول النصارى قبل بعثته عليه الصلاة والسلام، جاء ستون ألفًا من نصارى الحبشة على رأسهم أبرهة، جاؤوا يريدون أن يكيدوا بالبيت العتيق، فتقدموا، وتقدم لهم رجال، رجالٌ من الجاهليين ولكن كان مما بقي لهم من ملة إبرهيم عليه الصلاة والسلام تعظيم هذا البيت العتيق، فخرجت قبائل العرب المتفرقة قبيلة تلو قبيلة تريد أن تصد أبرهة وجيشه ولكن لأمر يريده الله كُسِرت هذه القبائل واستمر أبرهة حتى وصل إلى الطائف وهناك بحث عمن يدله إلى البيت العتيق فما وجد إلا أشقاها، وجد أبو رغال، خرج ليدُلَّه على البيت العتيق، بئس الدليل! بئس الدليل! فأماته الله سبحانه وتعالى بين الطائف ومكة، ولكن أين له أن ينجو من العرب التي تعظم البيت حتى في الجاهلية؟ فسنُّوا سُنة ليعتبر الناس من بعد ولتعتبر الناشئة حتى لا يعتدي أحد على البيت العتيق، فرجموا قبره وأصبح سُنة في الجاهلية، فسار أبرهة وهو في طريقه إلى البيت العتيق حدثت معجزة وآية وكرامة، هذه الفِيَلة، هذه العجماوات فقهت أن الله سبحانه وتعالى له بيت وأنه لا بد من تعظيم البيت ولا بد من تعظيم رب البيت سبحانه وتعالى، فربضت وبركت للأرض، فيشبعوها ضربًا لا تتحرك مقدار أنملة في اتجاه الكعبة المشرفة تعظيمًا وإجلالًا لربها سبحانه وتعالى.

ستون ألفًا .. أراد عبد المطلب أن يذود عن البيت العتيق، وأنّى له وأهل مكة بضع مئات وهؤلاء ستون ألفًا؟ فالتزم البيت العتيق، واستغاث وتضرع إلى الله سبحانه وتعالى بأن ينصر بيته، ثم رفعت قريش ذويها وذراريها إلى الجبال تنظر ما الذي يكون، فكانت آية أخرى .. أرسل الله سبحانه وتعالى طيرًا أبابيل تحمي هذا البيت وتذود عنه فأهلك ستين ألفًا من النصارى، وهم أهل كتاب وقريش مشركون، لكن تعظيمًا للبيت لم يبالِ الله سبحانه وتعالى بهم في أي وادٍ هلكوا، لم يبقَ منهم مخبر، وأنزل من فوق سبع سماوات سورةً تُتلى إلى يوم القيامة، يحفظها الصغار فضلًا عن الكبار، تُبيَّن مدى غيرة الله سبحانه وتعالى على هذا البيت العتيق، وتُبيّن لنا أن الذين يريدون كيدًا للبيت العتيق فكيدهم في ضلال وتضليل، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيل أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيل} ، بلى والله، جعلَ كيدهم في ضلالٍ وتضليل، لم يبقَ لهم أثر وكُفيَ البيت بفضل الله سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت