وهنا يظهر بوضوح أيضًا أن هذه الكلمة رغم قوتها لابد لها من عناصر أخرى لكي تظلل الأرض، فمكث الحال على ذلك إلى أن يسر الله سبحانه وتعالى أرض المدينة المنورة، ويسر الأنصار - الأوس والخزرج- فلما احتضنوا الدعوة انتشر الإسلام، وفي خلال بضع سنوات إذا بمئات الألوف قد دخلوا في الإسلام في جزيرة العرب، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
فهنا معلم كما ذكرت؛ أن الدعوة بغير قوة تبقى منحسرة، ولابد لها من البحث عن القوة في الأرض والمصر. وهذا المعنى يظهر في هذه الأيام بوضوح، منذ أن انحسرت الدول الإسلامية وانحسرت دولة الخلافة وقامت أنظمة تحكم بغير ما أنزل الله -وهي في الحقيقة تحارب شرع الله- برغم كثرة الجامعات وكثرة المدارس وكثرة الكتب والخطباء والأئمة والمساجد وحفظة القرآن، ولكن الإسلام في انحسار وللأسف الشديد؛ لأن الناس لم يسيروا حسب منهج محمد - صلى الله عليه وسلم -.
فالمنهج فيما يبدو لنا ويظهر؛ وهو في خصال محددة تظهر في نص آخر من نصوص الشريعة، قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم} ، فهذا النص هو في مثل حالتنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} .
عندما تحصل الردة؛ ماهي الصفات المطلوبة لإعادة الناس إلى الإسلام؟ فهنا ذكر صفات ستة؛ {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} ، فلابد أن نتصف بهذه الصفات:
-المحبة العظيمة لله سبحانه وتعالى.
-والذلة على المؤمنين والتراحم.
-والتناصح بالحسنى وبالمعروف.
-والعزة على الكافرين.
وهذا يظهر بوضوح في أهم عروة في الإسلام وهي الولاء والبراء، نوالي المؤمنين ونعادي الكافرين ونكون عليهم أعزة.
5)ثم الصفة الخامسة {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} .
فالجهاد في سبيل الله وعدم الخوف من لومة أي لائم، هاتان الصفتان في غاية الأهمية لإعادة الناس إلى الدين.
فالذين يظنون أنهم يمكن أن يعيدوا الناس إلى الدين، وأن يقيموا دولة إسلامية بعد أن انحسر ظل الإسلام عن الأرض، فهؤلاء ما فقهوا منهج الله سبحانه وتعالى، فهذه الآية غاية في الوضوح والصراحة في حالة الردة، فلا بد من المحبة