هذا الحديث العظيم الطويل اعترف فيه هذا الصحابي الجليل بوضوح عن طبيعة النفس البشرية، وعن ضعف النفس البشرية، ولم يمارِ أو يجادل أو يكذب رضي الله عنه، كما كذب الذين حلفوا كذبًا فأهلكهم الله سبحانه وتعالى وقال لهم شرَّ ما قال لأحد.
تدبَّروا معي هذا الصدق وهذه الصراحة وهذا الوضوح حتى نعرف طبيعة الذين قعدوا عن هذا الجهاد، ونحاول أن نعالج أنفسنا وننصح أيضًا لأنفسنا ولإخواننا ولعلمائنا، نرجو الله أن يردَّنا وإيَّاهم ردًّا جميلًا.
يتحدَّث كعب بن مالك رضي الله عنه عن غزوة تبوك التي تخلَّف عنها، وهو من هو؛ من السابقين، من الأنصار رضي الله عنهم، وهو من هو، هو أحد الذين حضروا وشهدوا وبايعوا يوم بيعة العقبة؛ تلك البيعة العظيمة التي قامت عليها بفضل الله دولة الإسلام، قامت دولة الإسلام في المدينة المنورة وما نحن إلا ثمرة من تلك الثمار المباركة.
يقول:"ما تخلَّفتُ عن غزوة غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قط إلا غزوة بدر ولم يعاتِب الرسول عليه الصلاة والسلام أحدًا غاب عنها"، فهو من أهل المشاهد حضر المشاهد كلَّها مع رسولنا عليه الصلاة والسلام إلا بدرًا، فهو ممَّن تمعمع في الحروب وقدَّم نحره للذود عن لا إله إلا الله، ولكن الإنسان، يبقى الإنسان إنسانًا قد يستزلُّه الشيطان ويضعف في موطنٍ وتخادعه نفسه وهذا ما وضَّحه رضي الله عنه بجلاء.
يقول:"فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الغزو عندما اشتدَّ الحرُّ والناس قائلون تحت نخيلهم، والنخل قد أتى بزهوه وبدأ ينضج، يقول: وكنت إليها أصعق أو أميل"، بمعنى أنَّه كان يميل إلى ذلك الظلِّ وإلى تلك الثمار، فهذه طبيعة النفس البشرية نقرؤها في أولئك العظام رضي الله عنهم، فإذا تخلَّف أولئك العظام فلا يفُتُّ في عضدنا أن يتخلَّف اليوم بعض الخيار فقد تخلَّف من هو خير منَّا ومنهم كما في الحديث هذا الذي جاء كما ذكرت في الصحيحين.
"وكنت إليها أصعق وأميل، قال: فبدأ الناس يتجهَّزون، وقلت: أُجهِّز أمري فمضى بعض الوقت مضى اليوم الأول ولم أقضِ من جهازي شيئًا، قال: وقلت أتجهَّز غدًا قال: وما قضيت شيئًا، وقلت في نفسي -انتبهوا هذا نص كلامه هنا- وقلت في نفسي إنِّي قادر على أن أسير معهم"، فالنفس تخادع صاحبها وهو الذي أَلِف الجهاد فقال هذه مسألة بسيطة أنا أستطيع أن أخرج،"وقلت في نفسي أستطيع أن أخرج وأنا قادر على ذلك، قال: وما زلت على تلك الحال حتى تفارط الغزو"، وسار ذلك الموكب الرهيب، ذلك الموكب العظيم قائده محمد - صلى الله عليه وسلم - ومعه أبو بكر وعمر والصحابة الكرام.