ساروا، أكثر أهل السِّيَر على أنَّهم كانوا ثلاثين ألفًا رضي الله عنهم، هنا لا بدَّ للمسلم أن ينتبه من مخادعة النفس، فكم من جالس وكم من قاعد عن نصرة لا إله إلا الله تخادعه نفسه أنَّه لو أراد أن يخرج لخرج، ولو أراد أبوه أو زعيمه أو من يشير عليه أن يخرج لخرج ولكن مصلحة الإسلام أن لا يخرج! هذا من الوهم البيِّن الواضح ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فهذا خادعته نفسه وهو الذي جرَّب نفسه في الهيجاء وفي المعامع، والأنصار هم أبناء الحِلَق وهم أبناء الحروب ورثوها كابرًا عن كابر، خادعته نفسه! فكيف بالذي لم يخرج للقتال قط -ولا حول ولا قوة إلا بالله- في سبيل الله! أما يسهل على نفسه أن تخادعه؟ أولئك عاشوا في تلك الحياة الصعبة؛ لا كهرباء ولا مكيفات ولا شيء، الزهو ظهر في النخل فأثقله إلى الأرض، فكيف بالذين توسَّعوا في المباحات حتى تجاوزوها، غارقون في الترف حدِّث ولا حرج، ولا حول ولا قوة إلا بالله! كيف لهؤلاء أن لا تخادعهم أنفسهم إلا أن يشاء الله.
خرج الناس ووقع كعب في هذه الكبيرة العظيمة الشنيعة، قعد عن نصرة لا إله إلا الله، قعد عن نصرة التوحيد، عن نصرة العقيدة، تثاقل إلى بعض متاع الحياة الدنيا -على قلَّته في تلك الأيام-.
كان الجو حارًّا وفي بعض الآثار الأخرى في تبوك يقول عمر رضي الله عنه:"كان الواحد منَّا إذا خرج إلى راحلته يشعر أن عنقه قد انقطع من شدَّة القيظ والحرِّ"، وماذا قال أهل الدنيا، ماذا قالوا؟ {وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} ، فهم يحضرون أحاديث رسولنا عليه الصلاة والسلام ويحضرون خطب الجُمَع فيعلمون ما يقول، يقولون بلسانهم، ولكن الفقه فقه القلوب، فقه الخشية، ما كانوا يفقهون ولو علموا وعرفوا، وإلا لو فقهوا لعملوا أنَّ نار جهنم أشدُّ حرًّا، أشدُّ حرًّا.
واليوم ماذا يُقال لإخواننا؟ يُقال لهم: إنَّ السياط إذا رجعتم تنتظركم، وإنَّ السياط في السجون حارَّة، ويُقال لهم: إنَّ المباحث والأمن يتابعكم، فنقول لهم: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} ، فنرجو الله أن يمنَّ علينا وعليكم وبالفقه والعلم.
أيام معدودة، أنترك جنَّة ربِّنا سبحانه وتعالى من أجل تهديد البشر؟! لا والله، من أيقن أنَّ الآجال محدودة لا تتقدَّم ولا تتأخَّر، ومن أيقن أنَّ الأرزاق معلومة لا تزيد ولا تنقص؛ لا يبالي، كما في حديث نبيِّنا عليه الصلاة والسلام يعلِّم الغلام عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:"يا غلام، إنِّي أُعلِّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سأَلت فاسأَل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنَّ الأمَّة لو اجتمعت على أَن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء لم يضرُّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف"، هذا الحديث يُدرَّس للمسلمين ويعلّم أهلَ الإسلام العلم فهذا من نعم الله علينا، ولكن شباب الإسلام