يشملُ جميعَ شؤونِ الحياة؛ الدينية والدنيويةِ أيضًا -كالاقتصادية والعسكرية والسياسية- بما فيها الميزان الذي نزن به أفعال الرجال من الحُكَّام والعلماء وغيرهم، وكيفية التعامل مع الحاكم وفق الحدود التي وضعها الله تعالى له فلا يتجاوزها، كالتشريع من دون الله، وموالاة الكفار ومناصرتهم على المسلمين، أو العبث والاختلاس الهائل من مال الأمَّة العام.
وكثيرٌ من الناس يظنون أنَّ هذا من صلاحيات ولي الأمر، ولا يعلمون أنَّ هذه الأفعال مِنَ الحاكم؛ هي من الكبائرِ العظامِ في شريعتنا، ولا تجبُ لهُ فيها الطاعة، بل إنَّ تشريعه من دون الله وموالاته للكفار كفرٌ أكبر مخرجٌ من الملَّة، يوجبُ الخروجَ عليه بَعدَ إعدادِ ما يلزم.
ولو أنَّهم قرأوا القرآن والسنة -وهذا ما ينبغي علينا- وتدبَّروا فيهما لاتَّضح لهم ذلك جليًّا في نصوصٍ كثيرة، ومن ذلك حديثُ عديِّ بن حاتمٍ رضي الله عنه، وكان قد تنصَّرَ في الجاهلية، وكان يظنُّ كما يظنُّ كثيرٌ من الناس أنَّ اتِّباعَ السادةِ والكبراء من الأمراء والعلماء في تحليل ما حرَّم الله أو تحريم ما أحلَّ الله ليس عبادةً لهم وليس كفرًا بالله تعالى، لأنَّه لم يصلِّ لهم ولم يصم، ولكنه عندما دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، قال: فقلت؛ إنَّهم لم يعبدوهم! فقال:"بلى، إنَّهم حرَّموا عليهم الحلال، وأحلُّوا لهم الحرام فاتَّبعوهم فتلك عبادتهم".
فانتبِهوا إلى هذه الآية، فهذه الآية الكريمة وهذا الحديث الشريف يبيِّنان بوضوح وجلاء؛ أنَّ طاعة الحاكم أو العالِم أو غيرهما واتِّباعهم في تحليل ما حرَّم الله وتحريم ما أحلَّ الله؛ عبادةٌ لهم من دون الله، وهذا شركٌ أكبر مخرجٌ من الملَّة، عافانا الله وإيَّاكم من ذلك.
وذلك ما عقَّبَ به سبحانه وتعالى في آخر الآية الكريمة ونزَّهَ نفسه الشريفة عنه، حيث قال: {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، وذلك بعدما قال تعالى في نفس الآية: {ومَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ، وفي ذلك بيانٌ على أنَّ التشريع في التحليل والتحريم عبادة، وهو من أخصِّ خصائصِ الألوهية، ومن أهمِّ مقتضياتِ شهادةِ"أن لا إله إلا الله"، الركن الأول من أركان الإسلام، وهي رأس الإسلام، وفي هذا تنبيه عظيم جدًّا للذين يظنُّون أنَّ الإسلام هو مجرد التلفُّظ بشهادة"أن لا إله إلا الله"، ولا يعلمون أنَّ لها مقتضيات إن لم يلتزموا بها فهم لم يلتزموا بشهادة"أن لا إله إلا الله".
وخلاصة القول:
إنَّ غياب الفهم الشاملِ لدينِ اللهِ كمنهجٍ لجميع شؤون الحياة، بما في ذلك منهج الإسلامِ في محاسبة الحُكَّام، لأنَّه باستقامتهم على المنهج -على دين الله تعالى- تستقيم أمور البلاد والعباد، فغياب هذا الفهم من أكبر مواطن الخلل في