يتظاهرونَ بأنَّهم عونٌ لنا ... في حينِ هُمْ دَاءٌ لنا وحِمَامُ
جيشُ النصارى مَدُّهُ اجتاحَ الدُّنا ... أينَ التَّقِيُّ الشهمُ والمقدامُ
وبناءً على ما تقدَّم؛ فقد ظَهَرَ مدى الخطر الحقيقي الذي تتعرَّض له المنطقةُ عمومًا، وجزيرَةُ العربِ خصوصًا، وأصبح واضحًا بأنَّ الحُكَّام غير مؤهَّلين لإقامة الدين والدفاع عن المسلمين، بل قدَّموا الأدلة على أنَّهم ينفِّذون مخطَّطات أعداء الأمَّة والملَّة، ومؤهَّلون للتفريط بالبلاد والعباد.
والآن بعد أن عرفنا حال الحُكَّام؛ ينبغي أن ننظر في المنهج الذي كانوا يسيرون عليه:
إنَّ المتأمِّل في منهج هؤلاء الحُكَّام يتَّضح له بغير عناء أنَّهم يسيرون وفق أهوائهم وشهواتهم، ووفق ما تقتضيه مصالحهم الشخصية وولاءاتهم الصليبية، فالتزام الإسلام ليس من الثوابت في منهجهم ودينهم، وإنَّما هم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، ممَّا يتوافق مع أهوائهم ويحافظ على ملكهم، وذلك كفرٌ أكبر كما بيَّنه تعالى بقوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ، فالثابتُ الأساسُ عندهم؛ هو الثباتُ في الملك فقط لا غير.
فالخلل ليس في قضية فرعيةٍ كفساد شخصي محصورٍ داخل قصر الحكم، إنَّما الخللُ في المنهجِ من أساسه، وذلك عندما انتشر ذلك الاعتقادُ الخبيثُ والمبدأُ الهدَّام في معظم نواحي الحياة؛ بأنَّ السيادة والطاعةَ المطلقتين للحاكم، وليستا لدين الله تعالى، أي أنَّ العبوديةَ للحاكم وليست لله تعالى، وتلك هي الحقيقةُ المهمَّة التي يُخادِعُ فيها الحُكَّام، وإن تستَّروا في بعض البلدان تحت عباءة الإسلام، وخاصةً بعد أن سَخَّروا جيشًا من العلماءِ والخطباءِ والكُتَّابِ وجميعِ أجهزةِ الإعلامِ للمبالغةِ في تضخيمِ معنى"الطاعةِ لوليِّ الأمر"منذ قرنٍ من الزمان، بعيدًا عن القيود التي قيَّدها بها دين الله تعالى، حتى أصبحَ الحاكمُ وثنًا يُعبدُ من دون الله -كما هو الحالُ في بلاد الحرمين-، ومن أَبَى من العلماءِ مداهنتهم؛ فله السجن حتى يُدَاهِنَ مُكرَهًا، وكما أنَّهم تستَّروا في بلدانٍ أخرى تحت عباءة البرلمان والديمقراطية.
لذا فحال جميع الدول العربية في انحطاطٍ سحيق في جميع مناحي الحياة، في أمور الدين والدنيا، ويكفي أن تَعْلَمَ أنَّ اقتصاد جميع الدول العربية أقلُّ شأنًا من اقتصاد دولة واحدة كانت يومًا من الأيام جزءًا من عالَمِنا -يومَ أن كنَّا متمسِّكون بالإسلام حقًّا- ألا وهي الأندلس المفقود، فأسبانيا دولة كافرة، ومع ذلك اقتصادهم أقوى من اقتصادنا، لأنَّ هناك حسابًا وعقابًا للحاكم، وأمَّا في بلادنا فلا حسابَ ولا عقاب، وإنَّما السمعُ والطاعةُ والدعاءُ له بطولِ العمر.
وما وصلنا إلى هذه الحالة المزرية إلا لأنَّه قد غاب عن الكثير منَّا الفهمُ الصحيحُ والشاملُ لدينِ الإسلام، واقتصر فهمهم على أنَّه أداءٌ لبعض الشعائر التعبُّديةِ -كالصلاةِ والصيام- وهي على أهمِّيتها العظمى إلا أنَّ دينَ الإسلام