غُرفَةِ عَمَلِيّاتٍ مُوَاكِبَةٍ لِلأَحدَاثِ لِلعَمَلِ بِخُطُوطٍ مُتَوَازِيَةٍ تَشمَلُ جَمِيعَ حَاجَاتِ الأُمّةِ مَعَ الاِستِفَادَةِ مِن مُقتَرَحَاتِ أُولِي النُّهَى فِي هَذِهِ الأُمَّة، وَالِاستِعَانَة بِمَرَاكِزِ الأَبحَاثِ المُؤَهَّلَة، وَأُولِي الأَلبَابِ مِن أَهلِ المعرِفَةِ لإِنقَاذِ الشُّعُوبِ الّتِي تُكَافِحُ لإِسقَاطِ طُغَاتِها، وَيَتَعَرّضُ أَبنَاؤُهَا لِلقَتلِ، وَتوجِيهِ الشُّعُوبِ الّتِي أَسقَطَت الحَاكِمَ وبَعضَ أَركَانِهِ بِالخُطواتِ المطلُوبَةِ لِحِمَايَةِ الثّورَةِ وَتَحقِيقِ أَهدَافِهَا.
وَكَذَلِكَ التّعَاوُنُ مَعَ الشُّعُوبِ الّتِي لم تَنطَلِق ثَورَاتها بَعدُ، لِتَحدِيدِ سَاعَةِ الصِّفرِ وَمَا يَلزَمُ قَبلَهَا، فَالتّأَخُّرُ يُعَرِّضُ الفُرصَة لِلضّيَاعِ، وَالتَّقَدُّمُ قَبلَ أَوَانِهِ يَزِيدُ مِن عَدَدِ الضّحَايَا، وَأَحسبُ أَنَّ رِيَاحَ التّغييرِ سَتَعُمُّ العَالِمَ الإِسلَامِيّ بِأَسرِهِ -بِإِذنِ اللهِ- فَينبَغِي عَلَى الشّبَابِ أن يُعِدُّوا لِلأَمرِ مَا يَلزَمُ، وَأَن لَا يَقطَعُوا أَمرًا قَبلَ مَشُورَةِ أَهلِ الخِبرَةِ الصّادِقِينَ المُبتَعِدِينَ عَن أَنصَافِ الحُلُولِ وَمُدَاهَنَةِ الظّالِمِين، وَقَد قِيلَ:
الرَأيُ قَبلَ شَجَاعَةِ الشُجعَانِ ... هُوَ أَوّلٌ وَهِيَ المَحلُّ الثّانِي
أُمّتِي المُسلِمَة،
لَقَد شَهِدْتِ قَبلَ بِضعَةِ عُقُودِ ثَورَاتٍ عَدِيدَة، فَرِحَ النّاسُ بِهَا ثُمّ مَا لَبِثُوا أّن ذَاقُوا وَيلَاتها، فَالسّبِيلُ لِحِفظِ الأُمَّةِ وَثَورَاتِها اليَومَ مِنَ الضّلَالِ وَالظُّلمِ هُوَ بِالاِنطِلَاقِ فِي ثَورَةِ الوَعيِ وَتَصحِيح المَفَاهِيمِ فِي شَتّى المَجَالَاتِ وَلَا سِيّمَا الأَسَاسِيّةِ، وَأَهَمّهَا رُكنُ الإِسلَامِ الأَوّل، وَمِن خَيرِ مَا كُتِبَ فِي ذَلِكَ كِتَابُ:"مَفَاهِيمُ يَنبَغِي أَن تُصَحَّح"لِلشَيخِ:"مُحَمّد قُطب".
فَضَعفُ الوَعيِ عِندَ كَثِيرٍ مِن أَبنَاءِ الأُمّةِ النَاتِجُ عَن الثّقَافَةِ الخَاطِئَةِ الّتِي يَبُثّهَا الحُكّامُ مُنذُ عُقُودٍ بَعِيدَةٍ هُوَ المُصِيبَةُ الكُبرَى، وَمَا مَصَائِبُ الأُمّةِ الأُخرَى إِلَّا ثَمَرَةٌ مِن ثَمَرَاتِهَا المُرّة، فَثَقَافَةُ الذُّلِّ وَالهَوَانِ وَالخُنُوع، وَتَكرِيسِ الطَّاعَةِ المُطلَقَةِ لِلحُكّامِ -وَتِلكَ عِبَادَةٌ لَهُم مِن دُونِ الله- وَالتّنَازُل عَن أَهَمِّ الحُقُوقِ الدِّينِيّةِ وَالدّنيَوِيّةِ لَهُم، وَجَعلِ القِيَمِ وَالمَبَادِئِ وَالأَشخَاصِ تَدُورُ فِي فَلَكِهِم، فَتُفقِدُ الإِنسَانَ إِنسَانِيّته، وَتَجعَلهُ يركضُ وَرَاءَ الحَاكِمِ وَإِرَادَتِه، دُونَ إِدرَاكٍ أَو تَبَصّر فيُصبِح إِمّعَة؛ إِن أَحسَنَ النّاسُ أَحسَن، وَإِن أَسَاؤُوا أَسَاء، مِمّا يَجعَلهُ كَسِلعَةٍ مِن سَقطِ المتَاعِ، يَفعَلُ بِهَا الحَاكِمُ مَا يَشَاء، وَهَؤُلاءِ هُم ضَحَايَا الظّلمِ وَالاِستِبدَادِ فِي بِلَادِنَا، الّذِينَ أَخرَجَهُم الحُكَّامُ لِيَهتِفُوا بِاسمِهمِ، وَيَقِفُوا فِي خَندَقِهِم، وَقَد سَعَى الحُكامُ لِيَتَخَلّى النَّاسُ عَن أَهَمّ حُقُوقِهم الّتِي آتَاهُم اللهُ إِيّاهَا، فَعَطّلُوا عُقُولَ الأُمّةِ، وَهمَّشُوا دَورَهَا فِي الشّؤُونِ العَامّةِ المُهِمّةِ عَبرَ تَضَافُرِ جُهُودِ مُؤَسّسَاتِ الدّولَةِ الدّينِيّةِ وّالإِعلاَمِيّةِ لِإصبَاغِ الشَّرعِيّةِ عَلَيهِم، فَسَحَرُوا أَعيُنَ النَّاسِ وإِرَادَاتِهم وَعُقُولَهُم، وَرَوّجُوا لِصَنَمِيّةِ الحَاكِمِ، وَأَسّسُوا لَهَا زُورًا وَبُهتَانًا بِاسمِ الدّين، وَكَذَلِكَ بِاسمِ الوَطَن، لِيَحتَرِمَهَا النّاسُ وَلِيَغرِسُوهَا فِي النّفُوس، لِيُقَدِّسهَا الكِبَارُ، وَلَم يَسلَم مِنهَا الصِّغَارُ، الّذِينَ هُم أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِنَا، وَقَد وُلِدُوا عَلَى الفِطرَةِ فَاغتَالُوا فِطرَتَهُم بِلَا ضَمِيرٍ وَلَا رَحمَة، فَهَرِمَ عَلَى ذَلِكَ الكَبِيرُ، وَشَبّ عَلِيهِ الصّغِيرُ، فَازدَادَ الطُّغَاةُ طُغيَانًا، وَالمُستَضعَفون استِضعَافًا، فَمَاذَا تَنتَظِرُون؟!