فهرس الكتاب

الصفحة 769 من 1077

في السماء يوم أن كان الأمر كفوا أيديكم، ولاشك أن ذلك كان لحكم كثيرة أحسب أن منها أن الوقت في مكة لم يكن مهيئًا لإقامة الدولة والمحافظة عليها، وكانت إقامة الدولة في المدينة مع أنها كانت غير معرضة لحروب مزلزلة إلا أن غلبة الظن كانت بإمكانية المدافعة عنها، ولا يخفى ما كانت عليه قبائل الأنصار -رضي الله عنهم- من نصرة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن هنا يظهر أن من المقومات المهمة أخذ ولاءات راسخة لقبائل ذات شوكة مع الانتباه إلى أن الأنصار -رضي الله عنهم- عندما أرادوا أن يحملوا عبء مناصرة الدعوة قيل لهم سترميكم العرب عن قوس واحدة، ولم يقال لهم سترميكم الدنيا عن قوس واحدة.

ومما يدل على أهمية توثيق العرى مع القبائل ذات الشوكة والمنعة أن الله تعالى لما بعث أنبياءه -صلى الله عليهم وسلم- في منعة من أقوامهم وهم المؤيدون من عند الله، وهم أصحاب المعجزات، فإذا كانت هذه السنة الكونية لم يغيرها الله حتى معهم فغيرهم من باب أولى.

وإن تعذر أخذ ولاءات القبائل ذات الشوكة في بعض المناطق فيقوم مقامها الحرص على إقامة جماعة على أسس عقيدة بعيدًا عن المصالح المادية -كما هو حال المجاهدين فيما نحسبهم-، والعمل على بث روح التكاتف وإيجاد الثقة بينهم، والحرص على محاولة أخذ عهد من المتعاطفين وبيعة على الجهاد وإقامة الخلافة، دون أن يكون عدم البيعة حائل بينكم وبين من لا يبايع، وإنما تحرصوا على سعة الصدر وتقبلوهم معكم في العمل، ومع مرور الوقت طالما أنهم يجدون من جانبكم حلمًا وعدم انتقام للنفس يقرب بينكم ويجعلهم معكم في آخر المطاف، كما ينبغي أن تكونوا شديدي الحرص على إعطاء كبار القدر قدرهم والاستفادة من أصحاب الطاقات في شتى المجالات.

وهذه الأمور تجعل -بإذن الله- في الجماعة إخوة إيمانية وقوة ارتباط تقوم مقام الارتباط الذي يكون بين أفراد القبيلة بالفطرة شريطة أن تكون كبيرة من حيث عدد الأفراد.

فينبغي النظر بدقة وتحري للتأكد من اكتمال العدة المطلوبة على جميع المحاور المهمة، فِعظَم مكانة العمل الذي نريد القيام به لا يغير السنن التي جعلها الله في هذه الأرض، وقد أمرنا بالأخذ بالأسباب مع التوكل، وسأضرب هنا مثلًا لتوضيح المراد وهو أن المجاهدين أرادوا العبور على نهر من الأنهار لفتح ما بعده من البلاد فلا بد لهم من بناء جسر ليعبروا عليه، ومتطلبات بناء هذا الجسر حددها المهندسون بأنها مثلًا مئتي طن من الحديد، وألف طن من الاسمنت، وألف متر مكعب من الخشب، وألفي طن من الخرسانة، وألفي طن من الرمل، ومئتي عامل.

فإذا لم يتوفر لدى المجاهدين اللازم من الحديد والخشب توفر لديهم اللازم من الاسمنت والرمل، إضافة إلى وجود كثير من المجاهدين الذين يحترقون لبناء الجسر، ونيتهم في بنائه نصرة دين الله -سبحانه وتعالى-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت