فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 1077

التي أخذناها كان الطريق مكشوفًا وظاهرًا للعدو، فكان العدو يقصف علينا، فكنّا ننزل وننتشر من السّيارة ثم نتحرك من جديد.

اخترنا المنطقة التي أُطلق عليها (مَأْسَدة الأنصار) فيما بعد، كانت هذه الفترة من أجمل أياّم الإنسان، حيث كنا مرابطين بالقرب من العدو، وفي نفس الوقت نقوم بإنشاء الطّرق وحفر الخنادق، كنا نعيش في خيمة واحدة، وانضم إلينا الأخ ذبيح من أهل الطّائف واسمه محمد بن المبارك، كنا في خيمة واحدة، صلاتنا سويًا، قراراتنا سويًا، أكلنا في نفس المكان، وكنا نتناوب الحراسة، وكنا نشعر بوحشة شديدة لأن المكان مخيف للطرفين، للعدو ولنا، وكان الفرد منا لا يستطيع أن يبتعد كثيرًا عن مركز الخيمة لأنها منطقة غابات موحشة، ناهيك عن قربها من العدو، فاستمرينا على ذلك الحال فترة طويلة ثم أرهقتنا الحراسة، فطلبنا أحد الإخوة فحضر أخونا صالح الغامدي، وازداد العدد فوصل إلى سبعة، ومع ذلك كنا متفائلين ومستبشرين بأن يزيد عددنا، وبالفعل وصل العدد خلال شهرين إلى أربعين أخ، بعد ذلك جاءنا أخونا أبو حنيفة حسين عجيب، ثم جاء محمد الصّخري وهو من النّاس الذين لم تكن لهم وقفة تردد، رأيته في الحرم النبويّ وكنت عازمًا على السّفر، ورأيته بعد صلاة الفجر وكان أبو حنيفة قد أخبرني بأنّ هناك أحد الإخوة يريد أن يذهب إلى أفغانستان، وأنّ هذا الأخ يريد أن يكمل دراسته هذا العام ثم يحضر في الصّيف.

التقيت بالصخري وتكلّمت معه بضعة دقائق فانشرح صدره، وعزم على الذّهاب معنا غدًا، وعلم واجبه، ترك الدّراسة والشّهادة والدنيا، ومكث معنا حوالي أربع سنوات إلى أن منَّ الله عليه بالاستشهاد في (جلال آباد) .

واما عن اختيارنا اسم (مأسدة الأنصار) ؟

فقد تشاورنا في تسمية الموقع، فاختار الإخوة عدة أسماء فانشرح الصدر باسم مأسدة وأخذنا هذا الاسم من بيت الشّعر لأحد الصّحابة -رضي الله عنهم-، كان يمدح الرسول - صلى الله عليه وسلم -، يقول بيت الشعر:

من سَرَّهُ ضربًا يُمعمِعُ بعضه بعضًا ... كمَعْمَعَةِ الإباءِ المُحرق

فَلْيأتِ مأسدةً تُسنُّ سيوفُها ... بينَ المَزادِ وجِذْعِ الخَندق

من أنصار الدين، رجع أخونا أبو حنيفة لتحريض الشّباب، فغاب عنا ثلاثة وعشرين يومًا، ورجع بثلاثة وعشرين رجلًا.

واستمرّ العدد في الزّيادة، وكنا نشعر بأهميّة هذا التّجمع، ويسألني الإخوة هنا، لماذا تميّزتم؟ فإن لذلك التّميز أسبابًا كثيرة؛ حيث أن الأخ يأتي من بلاده والجهاد كده، فتجتمع عليه عدة أمور، منها الجهاد، والغربة في اللّغة، والغربة في الطقس والتضاريس، لهذا فإنّ وجوده مع إخوانه يزيده صبرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت