فهرس الكتاب

الصفحة 806 من 1077

فبتأملنا لبعض تأريخ أمريكا نجد أنها رغم خوضها قرابة ستين حربًا منذ نشوئها فإن القاسم المشترك لبعض هذه الحروب هو أنها لم يكن العمل العسكري من خصومها في الخارج هو العامل الرئيسي في حسمها، إنما حسمت عندما ازداد الغضب الشعبي والمعارضة الداخلية لها، فعلى سبيل المثال من القتلى فيها 57000 جندي أمريكي ولم تحسم الحرب بهذا العدد الهائل من القتلى! إنما اضطروا للانسحاب عندما أخطأ رئيسهم نيكسون أمر بالتجنيد الإجباري لمواصلة الحرب، ومما جعل القضية تمس أمن كل فرد أمريكي وعندها ثار الشعب ولا سيما طلاب الجامعات بمظاهرات حاشدة ضد الحرب والحكومة مما اضطرها للانسحاب.

ولا يخفى عليكم أن سياستهم الحالية لمعالجة نقص الجنود هي بالإغراءات المالية الهائلة من دون إكراه لتلافي خطأ نيكسون.

ومعلوم لديكم أن عدد سكان أمريكا 300 مليون، قُتل منهم في أفغانستان حوالي 1000 جندي خلال ثمان سنين، وفي العراق حوالي 4000 جندي، هذا يعني أن الضرر قد أصاب فئة يسيرة منهم لا تكفي لإثارتهم وتحركهم لإرغام الساسة على وقف الحرب.

وبعملية حسابية بسيطة إذا قسمنا عدد قتلى أمريكا في أفغانستان على عدد سكانها فستكون نسبة عدد القتلى من الشعب الأمريكي في أفغانستان ثلاثة فاصلة ثلاثة في المليون وهي نسبة ضئيلة جدًا لا تُذكر، بينما نسبة عدد قتلاهم في فيتنام ثلاثمئة وثمانين في المليون، حيث كان عدد سكان أمريكا وقتها مئة وخمسين مليونًا.

أي أن أمامنا أكثر من مئة ضعف حتى يكون عدد قتلاهم في أفغانستان كعدد قتلاهم في فيتنام ومع ذلك لم تحسم الحرب هناك بسبب هذا العدد الكبير من القتلى.

وبذا يتضح أن النسب الضئيلة في مصائب الأمم والتي لا تذكر لا تؤثر عادة في مثل قضايا الشعوب وغضبها وثورتها، وتستطيع التعايش معها وتحملها وهذا يُظهر أن الطريق أمامنا طويل جدًا لكسب المعركة في أفغانستان إذا كان الأمر متوقفًا على عدد قتلى الخصوم فقط.

إلا أن هناك عناصر أخرى مؤثرة في وقف الحرب منها ارتفاع عدد العاطلين عن العمل في أمريكا بعد الحادي عشر وحربَيْ العراق وأفغانستان إلى نسبة عشرة في المئة من القوى العاملة هناك وهو ما يقدر بعشرة ملايين عاطل، وهو رقم كبير جدًا إذا ما قيس إليه عدد قتلاهم في أفغانستان! حيث تصل النسبة إلى واحد في كل عشرة آلاف، وهؤلاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت