فهرس الكتاب

الصفحة 937 من 1077

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمابعد؛

فعند الحديث عن الأحوال التي تمر بها الأمة في هذه الأيام, وما أصابها من احتلال وظلم وعدوان من القوى الإسرائيلية, والقوى الأمريكية, وانحسار ظل الإسلام عن هذه الأرض، ينبغي تلمس هدي محمد صلى الله عليه وسلم في إقامة هذا الدين, يوم أن بدأ غريبًا في أول الإسلام [[1] ].

فإن الناظر في ذلك يرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرص منذ البداية عندما صدع بالدعوة أن يعرض دعوته على القبائل [[2] ]. وإذا نظرنا في أهم العناصر التي كان يدعو القبائل إليها نجدها واضحة جدًا:

1)أنه كان يدعوهم إلى شهادة التوحيد، إلى شهادة"أن لا إله إلا الله, وأن محمدًا رسول الله [[3] ]".

2)والبند الآخر أنه كان يدعوهم إلى الإيواء والنصرة [[4] ].

(1) قال صلى الله عليه وسلم: (( إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها ) ) [رواه مسلم] .

(2) قال ابن إسحاق: ( ... سمعت ربيعة بن عباد، يحدثه أبي، قال؛ إني لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول؛"يا بني فلان! إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني، حتى أُبين عن الله ما بعثني به"، قال؛ وخلفه رجل أحول وضيء، له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه، قال ذلك الرجل:"يا بني فلان! إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه!"، فقلت لأبي:"يا أبت! من هذا الذي يتبعه ويرد عليه؟ ما يقول؟"، قال؛"هذا عمه عبد العزى بن عبدالمطلب، أبو لهب") [سيرة ابن هشام: 2/ 48 - 49] .

(3) قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: (ومعنى شهادة"أن محمد رسول الله"؛ طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، وإجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع) [الأصول الثلاثة] .

وقال الحكمي: (هو التصديق الجازم من صميم القلب المواطئ لقول اللسان بأن محمدًا عبده ورسوله إلى كافة الناس إنسهم وجنهم {شاهدًا ومبشرًا ونذيرا وداعيا إلى الله وسراجا منيرا} [؟] ، فيجب تصديقه في جميع ما أخبر من أنباء ما قد سبق وأخبار ما سيأتي، وفيما أحل من حلال وحرم من حرام، والامتثال والانقياد لما أمر به، والكف والانتهاء عما نهى عنه، واتباع شريعته وإلترام سنته في السر والجهر، مع الرضا بما قضاه والتسليم له، وأن طاعته هي طاعة الله ومعصيته هي معصية الله ... ) [أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة: ص21] .

(4) اخطأت بعض الأحزاب في مفهوم"النصرة"فضخمتها واعطتها اكبر من الحجم الذي تستحقه، وفي كتابه"الطريق إلى استئناف حياة إسلامية وقيام خلافة راشدة"، كتب الشيخ عبد المنعم مصطفى حليمة:(قولهم؛"لا طريق إلى الخلافة إلا عن طريق طلب النصرة، تأسيًا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يطلب النصرة لدينه ونفسه من قبائل وشيوخ العرب"، نجمل الرد على هذه الشبهة في النقاط التالية:

أولًا؛ إن قالوا طريق طلب النصرة مشروع، يجوز للحركة الإسلامية أن تسلكه إن تمكنت من ذلك، ووجدت لذلك سبيلًا، فهذا قول صحيح لا غبار عليه ولا خلاف، لكن أيضًا هذا الخيار لا يبرر للأمة القعود عن الإعداد والجهاد في سبيل الله، ولا يمنعها من ذلك؛ فطريق الإعداد والجهاد، وطلب النصرة، من ذوي الشوكة، كل ذلك يسير جنبًا إلى جنب، ولا يجوز أن يكون السير بأحدهما ذريعة للتنكب أو التخلف عن الآخر.

ثانيًا؛ أما إن قيل طريق طلب النصرة ... هو شرط لصحة قيام الخلافة! أي لا يجوز للأمة أن تسلك طريقًا آخر لنصرة هذا الدين وإعلاء كلمته غير طريق طلب النصرة! نقول؛ هذا قول باطل لم يدل عليه نص شرعي صحيح تصريحًا ولا تلميحًا، ما أنزل الله به من سلطان، ولم يقل به عالم معتبر من السلف ولا من الخلف، والذي يزعم غير ذلك فليخرج لنا دليله وبرهانه، {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111] فلو كان طلب النصرة شرطًا لصحة قيام الخلافة ... لجاء ولو نص واحد من الكتاب أو السنة ينص على ذلك، ولذكره أهل العلم ولو لمرة واحدة في كتب الفقه والعلم، ولما انتفى كل ذلك علمنا بالضرورة أنه شرط باطل لا يجوز القول به ...

تاسعًا؛ مما يقلل من فاعلية طريق النصرة؛ هذا النظام الواسع لأجهزة التجسس والرصد المخابراتية التابعة للأنظمة الدولية والمحلية، مما يجعل من المستحيل أو الصعوبة بمكان للعصبة المؤمنة أن تسلك طريق النصرة على الطريقة الأول، وهي أن تعرض نفسها على الأفراد والجماعات - وبخاصة إن كانت هذه الأفراد أو الجماعات كافرة - وتطلب منهم النصرة من أجل العمل لهذا الدين وقيام خلافة إسلامية، ثم لا تُتخطف من قبل أجهزة المخابرات وتُغيب عن الوجود؟! فإذا كانت النسبة لهذا الدين وإرخاء اللحية والثوب جرم لا يغتفر عند كثير من الأنظمة الطاغية المعاصرة، فكيف إذا عُرف المرء - ولا بد له أن يُعرف إن أراد النصرة بمعناها وأسلوبها الأول - بأنه يسعى بين الناس يطلب منهم النصرة من أجل إقامة دولة وخلافة راشدة؟! ... ) [وللاستزادة راجع الكتاب] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت