كما ظهر ذلك جليًا في دعوته لبني عامر بن صعصعة, فلما قالوا له: (إلى أي شيء تدعو يا أخا العرب؟!) , قال: (( أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله, وأن تؤوني وتنصروني ) ) [[1] ].
فهنا يظهر لنا معلما واضحا, أن هذه الدعوة وهذه الكلمة العظيمة لابد لها من أرض, وهذه الشجرة الكريمة لابد لها من أرض تنبت فيها, وهي التي تقوم بنصرتها وإيوائها. فمن هنا استمر عليه الصلاة والسلام يبحث عن هذه الأرض, وأثناء ذلك يقوم بالدعوة في مكة, فمكث ثلاث عشرة سنة.
وكل ما عندنا من علم هو جزء يسير من علمه عليه الصلاة والسلام، وهو أفصح العرب الذي أوتي جوامع الكلم, وهو المؤيد بالوحي من فوق سبع سموات, ومع ذلك كله لم يؤمن له سوى بضعة عشرات من الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
وهنا يظهر بوضوح أيضًا أن هذه الكلمة رغم قوتها لابد لها من عناصر أخرى لكي تظلل الأرض, فمكث الحال على ذلك إلى أن يسر الله سبحانه وتعالى أرض المدينة المنورة, ويسر الأنصار - الأوس والخزرج- فلما احتضنوا الدعوة انتشر الإسلام, وفي خلال بضع سنوات إذا بمئات الألوف قد دخلوا في الإسلام في جزيرة العرب, ودخل الناس في دين الله أفواجا.
فهنا معلم كما ذكرت؛ أن الدعوة بغير قوة تبقى منحسرة, ولابد لها من البحث عن القوة في الأرض والمصر. وهذا المعنى يظهر في هذه الأيام بوضوح, منذ أن انحسرت الدول الإسلامية وانحسرت دولة الخلافة وقامت أنظمة تحكم بغير ما أنزل الله -وهي في الحقيقة تحارب شرع الله- برغم كثرة الجامعات وكثرة المدارس وكثرة الكتب والخطباء والأئمة والمساجد وحفظة القرآن, ولكن الإسلام في انحسار وللأسف الشديد؛ لأن الناس لم يسيروا حسب منهج محمد صلى الله عليه وسلم.
فالمنهج فيما يبدو لنا ويظهر؛ وهو في خصال محددة تظهر في نص آخر من نصوص الشريعة، قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم} [سورة المائدة: 45] ، فهذا النص هو في مثل حالتنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} .
(1) كان هذا سنة 10 للهجرة [الرحيق المختوم: 115] ، قال ابن إسحاق: (وحدثني الزهري أنه - أي النبي صلى الله عليه وسلم - أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم؛"والله، لو أني أخذت هذا الفتى من قريش، لأكلت به العرب"، ثم قال؛"أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟"، قال؛"الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء"، فقال له:"أفتُهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك"، فأبوا عليه) [سيرة ابن هشام: 2/ 49 - 50] .