وسأذكر مثالًا أو مثالين ليعي الناس هذا الأمر:
1)فقد ذكر الإمام الذهبي رحمه الله في سيَره, ذكر سيرةَ علي بن المديني رحمه الله - انظر إلى مقدمة تلك السيرة - وقال: (علي بن المديني ... أمير المؤمنين في الحديث) [سير أعلام النبلاء: 11/ 41] ، وذكره ووصفه ومدحه وذكر أن الناس في علم الحديث عالة عليه, ولكن من باب الإنصاف مع جلالة قدر علي بن المديني - وإذا ذكر لا يذكر علماؤنا في هذا العلم بجواره - ولكنه مع ذلك زل زلةً شديدة عندما تعرض لخدمة السلطان, وعندما ضغط عليه أمراء بني العباس وافقهم بضد ما يعتقد, وفي ضد ما كان يُدَرّس, وافقهم في تلك الفتنة المضلة الفظيعة [[1] ].
2)وكذلك شيخ المؤمنين في الحديث يحيى بن معين رحمه الله [[2] ]زل نفس الزلة.
وكثير من العلماء في ذلك العصر زلوا هذه الزلة, نتيجة للتهديد بالضرب والسجن, وقد يصل إلى القتل, وما ثبت إلا عدد يسير كما تعلمون كان منهم إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله فينبغي التنبه لذلك, واقرأوا هذه السيرة لتروا ولتعتبروا بحال الناس.
وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان ) ) [رواه الإمام أحمد] ، هذا إذا كان القاضي غضبان فينبغي عليه أن لا يقضي بين اثنين، فكيف إذا كان خائفًا؟ والخوف أشد وقعًا على النفوس من الغضب كما يقول ابن القيم رحمه الله: (فمن قصر النهي على الغضب وحده، دون الهم المزعج، والخوف المقلق، والجوع والظمأ الشديد، وشغل القلب المانع من الفهم، فقد قل فقهه وفهمه) [إعلام الموقعين ج1 ص 207 - 208] .
فالناس في بلادنا خائفون من أن يقولوا كلمة الحق, فينبغي التنبه. وقد صرّحوا لنا مرارًا كبار العلماء الذين يشار إليهم بالبنان عن الخوف الذي يخشونه فيما لو صدعوا بالحق, وقد حدثت من قبل أن أحد كبار العلماء في هيئة كبار العلماء حدثني عندما كنّا نقول لهم:"إنه ينبغي إصدار فتوى بوجوب الإعداد, على التسليم فرضًا بقولكم أن وجود الأمريكان في البلاد ضرورة", فاعتذر عن إصدار فتوى مع تصريحه في المجلس بأنه حق, وأنه لابد من أن يكون العمل للجهاد في البلاد على أبناء البلاد وأن يخرج الأمريكان, قال: (لكن الدولة لا توافق لنا بهذا) , ولمّا قلنا له:"حاولوا عبر هيئة كبار العلماء أن تستصدروا فتوى بذلك, فقال كلامًا وأنا أشكر له مصارحته لي, قال ليس في نظامنا في قانون هيئة كبار العلماء"، قال: (لسنا نحن الذين نبحث القضية ونصدر فيها فتوى، وإنما تصدر الفتاوى في المسائل التي تحال إلينا من المقام السامي) [[3] ]- على حد تعبيره -
(1) قال الذهبي: (قال ابن عمار الموْصليَّ في تاريخه؛ قال لي علي بن المديني؛ ما يمنعك أن تكفر الجهمية - وكنت أولًا لا أكفرهم - فلما أجاب علي إلى المحنة كتبت إليه أذكره ما قال لي وأذكره الله، فأخبرني رجل عنه أنه بكى حين قرأ كتابي، ثم رأيته بعد فقال لي؛ ما في قلبي مما قلت واجبت شيء، ولكني خِفت أن اقتل، وتَعْلمُ ضعفي اني لو ضربت سوطا واحدا لمتّ، أو نحو هذا) [سير أعلام النبلاء: 11/ 57] .
(2) قال الذهبي: (هو الإمام الجهبذ، شيخ المحدثين) ، وقال: (وكان يحيى رحمه الله من أئمة السنة، فخاف من سطوة الدولة واجاب تقية) [سير أعلام النبلاء: 11/ 71 و87] .
(3) قال الشيخ أسامة: ( ... فعندما دخل الأميركان في محرم في أول سنة 1411 هجريًا ... وصدرت - للأسف- فتاوى، دولة ودول الخليج ساهمت في الضغط على هؤلاء العلماء لإصدار مثل هذه الفتاوى التي زعموا لهم أنها مؤقتة، وقد حدثنا من نثق به من هؤلاء العلماء، أمثال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في مجلسه وفي بيته، قال؛"نحن لم نصدر فتوى، وإنما بعد أن أدخلت الدولة الأميركان جمعونا وقالوا؛ لابد أن تصدروا فتوى، وإلا فإن الشباب سوف يقاتلون هذه القوات الأميركية"!! وتحدثت معه طويلًا في وجوب إصدار فتوى بإخراجهم من هيئة كبار العلماء، فقال لي بوضوح - يشهد الله الذي لا إله إلا هو - قال؛"يا أسامة! ليس من حقنا في هيئة كبار العلماء أن نصدِّر فتوى من عند أنفسنا، وإنما إذا أحيلت إلينا من المقام السامي - على حد تعبيره - نحن نصدر فيها"، فهذا حالنا للأسف الشديد) [مقابلة مع قناة الجزيرة سنة 1420هـ] .