فهرس الكتاب

الصفحة 995 من 1077

فلما قامت دولة اليهود، بعد قرار التقسيم بعام؛ نشبت حرب مصطنعة، ثم ما لبث حكام الدول العربية أن وافقوا على توقيع هدنةٍ مؤقتة استجابةً لأمر أمريكا، والتي طلبت منهم في العام الذي يليه هدنةً دائمة، وهكذا كادوا يئدون فلسطين وأهلها وهم أحياء، ولكن الله سلّم.

ثم استمرت المؤامرات مرورًا بمؤتمر مدريد وما تبعه، وتواصلَ السعيُ لإجهاض الانتفاضة الأولى، ثم ما جرى في مؤتمر"شرم الشيخ"عام 1416 للهجرة - الموافق 96 للميلاد - بدعمهم لليهود والنصارى ضد المستضعفين من أهلنا في فلسطين، ثم مبادرة بيروت التي تضمنت الاعتراف باليهود، وجزءًا كبيرًا مما احتلوه من أرض فلسطين، وأخيرًا مؤامرة"خارطة الطريق".

وخلال هذه المؤامرات ينثرون بعض الأموال على أهل فلسطين من باب ذر الرماد في العيون، وإلا فالتاريخ والواقع يشهد عليهم خلال العقود التسعة الماضية أنهم لم يرجعوا شيئًا من فلسطين.

إلا أن مما يثير الدهشة والذهول ويبعث على الاشمئزاز؛ موقفُ هؤلاء الحكام من أُسَرِ المجاهدين الذين يقومون بالعمليات الاستشهادية، فقد كانوا ينتظرون خيرهم فجاؤوهم بشرّهِم، فلم يكتفوا بشجبها وإنما قاموا بما هو أشد وأنكى، فانظروا إلى حال تلك الأسر، وتأملوا حال كل أختٍ من أخواتنا الأرامل هناك ممن قُتِلَ زوجها على يد اليهود، وقَدّمَ ابنها نفسه رخيصةً في سبيل الدين والذودِ عن حياض المسلمين، فجاء جنودُ اليهودِ بعد أن تركهم أصحاب العروش والجيوش ليعيثوا في أرض القدس فسادًا ويهلكوا الحرث والنسل، فأخرجوها بالقوة من بيتها إلى الطريق، ثم نسفوه بما فيه ولم يمكنوها من أخذ متاعها الزهيد، فسارت هائمةً في الطرقات على وجهها، والدموع قد أخذت مجراها، وهي تجر صغارها وصغارَ الشهيد - نحسبه والله حسيبه - لا تدري إلى أين تتجه، ولا إلى أين تسير من تكاثرِ المصائب عليها، ولكن بفضل الله كان بعض أصحاب القلوب الرحيمةِ من بلادِ الحرمين وغيرها يرسلون بعض زكواتهم لهذه الأسر من الأرامل والأيتام، يخففون بها بعض مصابهم، فإذا بذلك الأمير الفظ الغليظ الجوّاظ [[1] ]المتكبر؛ عبد الله بن عبد العزيز يأمر بمنع المحسنين من إرسال أموالهم، حتى تتوقف العمليات، فأي قلبٍ هذا الذي يأمر بهذه الأفعال؟! أهو قلب بشر؟! أم أنه قَدْ قُدَّ من حجر؟! وأي نذالةٍ هذه؟! وأي خسّةٍ هذهِ؟! أن تَتَتَبّعَ

(1) قال ابن حجر: (جواظ؛ بفتح الجيم وتشديد الواو وآخره معجمة؛ الكثير اللحم المختال في مشيه، حكاه الخطابي, وقال ابن فارس؛ قيل هو الأكول, وقيل الفاجر) [فتح الباري: ج8/ص663] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت