وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْجِزْيَةِ، فَقَدْ ضَرَبَهَا عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ وَالْمَجُوسِ بَعْدَ نُزُول آيَةِ الْجِزْيَةِ، وَلَمْ يُطَالِبْهُمْ بِأَدَائِهَا فِي الْحَال، بَل كَانَ يَبْعَثُ رُسُلَهُ وَسُعَاتَهُ فِي آخِرِ الْحَوْل لِجِبَايَتِهَا.
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ الأَنْصَارِيَّ وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ إِلَى البَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هُوَ صَالَحَ أَهْلَ البَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ العَلاَءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَتْ صَلاَةَ الصُّبْحِ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،فَلَمَّا صَلَّى بِهِمُ الفَجْرَ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ رَآهُمْ، وَقَالَ: «أَظُنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ؟» ،قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ لاَ الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» [1] .
وَتَدُل سِيرَةُ الْخُلَفَاءِ وَالأُمَرَاءِ بَعْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْعَثُونَ الْجُبَاةَ فِي آخِرِ الْعَامِ لِجِبَايَةِ الْجِزْيَةِ. فَبَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَبَا هُرَيْرَةَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَقَدِمَ بِمَالٍ كَثِيرٍ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَدِمْتُ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَأَتَيْتُ عُمَرَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنِ النَّاسِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: مَاذَا جِئْتَ بِهِ؟ قُلْتُ: جِئْتُ بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفٍ، قَالَ: وَهَلْ تَدْرِي، مَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَجَعَلْتُ أَعُدُّهَا بِيَدِي مِائَةَ أَلْفٍ مِائَةَ أَلْفٍ، فَقَالَ: إِنَّكَ نَاعِسٌ، ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَنَمْ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَأْتِنِي، فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: مَاذَا جِئْتَ بِهِ؟ قُلْتُ: جِئْتُ بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفٍ، قَالَ: تَدْرِي مَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مِائَةِ أَلْفٍ، مِائَةِ أَلْفٍ، حَتَّى عَدَّهَا بِأَصَابِعِهِ، قَالَ: أَطَيِّبٌ؟ قُلْتُ: لَا أَعْلَمُ إِلَّا ذَاكَ. قَالَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ قَدْ جَاءَنَا مَالٌ
(1) - صحيح البخاري (4/ 96) (3158) وصحيح مسلم (4/ 2273) 6 - (2961)
[ش (فوافت) من الموافاة أي أتوا وحضروا. (أجل) نعم. (تبسط) يوسع لكم فيها. (فتنافسوها) من التنافس وهو الرغبة في الشيء والانفراد به مأخوذ من الشيء النفيس الجيد في نوعه والذي يرغب فيه. (تهلككم) تجركم إلى الهلاك بسبب التنازع عليها والركون إليها والاشتغال بها عن الآخرة]