فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 781

وكيف يتضاد المكانان ولا يتعاقبان بالحقيقة على موضوع واحدٍ؛ والمكان، من حيث هو مكان، ليس بفوقٍ ولا أسفل ؟ بل من حيث هو نهاية حركةٍ من حيث هو طرفُ مسافة؛ أو من حيث هو طرفُ جسمٍ حاوٍ؛وهذه عوارض للكميةِ. وهذه العوارض لاتجعله بحيث يشترك الفوق والأسفل منه في موضوعٍ واحدٍ فيكون مضادًا بالحقيقة؛ بل الاثنان متضادان؛ أعنى كون الشئِ فوقَ فإنه مضاد لكونهِ أسفل؛ وهذا غير المكانِ. وليس يجب، إذا كان بين هذين المكانين غاية البعدِ، أن يكونا متضادين؛ وإن كان التضاد يتضمن هذا الشرط؛ أو كان الناس إنما فطنوا أولًا للتضاد مِن أمرِ المكانِ مِن حالِ مكانين بينهما غاية البعد؛ فإنهم لايقتدرون على أن يميِّزوا هل حال المكانين في كونهما، وبينهما غاية البعدِ، هو التضاد، أو حال المتمكنِ، إذا كان تارة في هذا المكانِ، وأخرى في مكانٍ آخر. ومع ذلك فلسنا نبنى القوانين في اصطلاحاتِ الألفاظِ الحكميِة على تعارفِ الجمهور؛ بل يجب أن نلتفت في اعتبارِ معنى لفظ التضاد إلى ماتعارفناه في استعمال لفظ التضاد بالوضعِ الثانى؛ وهو يدل على الحالة التى بين ذاتين مشتركتين في موضوعٍ شركة التعاقب لا أن ينطبع بأحدِهما الموضوع، وبينهما غاية البعدِ. وليس يوجد في المكانين جميع هذه الشروط. والدليل على ذلك أن المكان، من حيث هو مكان، ومن حيث تتحصَّل طبيعته الشخصية، لا يحتاج إلى أن يقال إلاَّ بالقياس إلى المتمكنِ؛ ومن حيث يسمى فوقًا، يقال بالقياس إلى مكانٍ آخر. ثم إن الفوقية والسفلية قد تعتبر من طريق الإضافةِ؛ فلا يكون فيها تضاد؛ كما لايكون في الصغيرِ والكبيرِ؛ وقد تعتبر مِن طريق الطبيعةِ، حتى تكون الفوقية إما حالا للمكان في أنه نهاية جِسمٍ وضعه الطبيعى من العالمِ كذا؛ فإن عرض مِن هذه الجهةِ للمكانِ تضاد، كان بسبب طبيعةِ ذلك الجسم. وسنبيِّن أن هذا الاعتبار ما يجرى مجراه لا يجعل الجسم الذى هو فوق مضادًا للجسم الذى هو أسفل، إذ الجسم الأعلى لا ضد له مِن وجهٍ؛ كما ستعلم، وإما حالًا للمكانِ، من حيث كون مكانًا لجسمٍ وضعه الطبيعى كذا. وإذا فرِض أو اتفق أن كان هذا موجِبًا أو مقارنًا لأن يكون الجسمان متضادين في الطبيعة، كان حينئذٍ التضاد في المكان لأمرٍ في المتمكنِ؛ فيكون التضاد في المكان حينئذ بالعرض.

فيجتمع من هذا كله أن لا تضاد في الكم. وكذلك ليس في طبيعتهِ تضعف واشتداد ولا تنقص وازدياد. ولست أعنىِ بهذا أن كمية لا تكون أزيد وأنقص مِن كميةٍ، ولكن أعنى أن كمية لا تكون أشد وأزيد في أنها كمية مِن أخرى مشاركةٍ لها، فلا ثلاثة أشد ثلاثِية مِن ثلاثةٍ، ولا أربعة مِن أربعةٍ، ولا خط بأشد خطية، أى أنه أشد في أنه ذو بعدٍ واحدٍ مِن خط آخر، وإن كان، من حيث المعنى الإضافى، أزيد منه، أعنى الطول اضافى بل لايجوز أن تكون كمية أزيد وأشد في طبيعتِها مِن كميةٍ أخرى أنقص أو أكثر منها؛ أعنى أنه ليست الثلاثية في أنها ثلاثية وفى أنها عدد ولها حد العددِ بأكثر من رباعِيةٍ في أنها رباعِية وأن لها حد العددِ؛ أعنى في أنها كمية منفصِلة تقَّدر بالآحادِ. نعم قد تِصير أزيد وأقل فيما يعرِض لها مِن الإضافاتِ المختلفاتِ بينها.

والفرق بين هذا الأزيد وبين الأشد والأزيدِ الذى يمنح كونه في الكميةِ أن هذا الأزيد يمكِن أن يشار فيه إلى مِثلٍ حاصلٍ أو زيادةٍ؛ والأشد والأزيد الذى يمنعه أنهما لا يمكِن فيهما ذلك. وتفاوت الأشد والأضعفِ ينحصر بين طرفين ضِدين؛ وتفاوت الأزيدِ والأنقصِ لاينحصر البتة بين طرفين. ومن خواص الكميةِ أنها تقال بذاتِها، لا لغيرها، مساوية وغير مساويةٍ. والمساواة هى الحالة التى تكون عند توهمِك تطبيق أبعادِ المتصلِ أو آحادِ المنفصل بعينها على بعض مارة في تزيُّدِها، فلا تجِد أحد المطبقين يحصل عند حد لم يحصل الآخر عند ذلك الحد وغير المساواةِ أن يجاوز أحدهما أو يقصر. فالمطابقة التى لايوجد فيها اختلاف الحدودِ تسمى مساواةً؛ فإن اختلفت الحدود لم تكن مساواة. وأنت تعلم أن النقل والحركة، إذا اعتبِرا بذاتْيهما من غير التفاتٍ إلى مقادير خارجةٍ عنهما، لايوجد فيهما هذا التطبيق؛ فليست قابلة للمساواة وغيرِ المساواة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت