واما أنا فأقول لمعشر المتعلمين والمتأملين للعلوم: تاملوا ما قاله هذا العظيم؛ ثم اعتبروا أنه هل ورد من بعده إلى هذه الغابة - والمدة قريبة من ألف وثلثمائة وثلاثين سنة - من أخذ عليه أنه قصر، وصدق فيما اعترف به من التقصير، فإنه قصر في كذا؛ وهل نبغ من بعده من زاد عليه في هذا الفن زيادة؟ كلا بل ما عمله هو التام الكامل والقسمة تقف عليه، وتمنع تعديه إلى غيره. ونحن مع غموض نظرنا - كأن أيام انصبابنا على العلم، وانقطاعنا بالكلية إليه، واستعمالنا ذهننا، أذكى وأفرغ لما هو أوجب - قد اعتبرنا، واستقرينا، وتصفحنا فلم نجد للسوفسطائية مذهبا خارجا عما أورده. فإن كان شيء فتفاصيل لبعض الجمل - التي أخذناها منه - ما نحن نرجو أن نستكثر من الدلالة عليه في"اللواحق"حين نرجو أن نكون أفرغ لما هو أوجب. والذي عمله معلمه، وسماه كتاب"سوفسطيقا"حاد فيه عن الواجب، وقصر عن الكفاية. اما الحيد فخلطه المنطق بالطبيعي والإلهي، وهذا لضعف تميز كان فيهم قبل نبوغ هذا العظيم وأما التقصير فإنه لم يفهم وجها للمغالطة إلا الاسم المشترك. وبالحري أن نصدق ونقول: إنه إن كان ذلك الإنسان مبلغه من العلم ما انتهى إلينا منه، فقد كانت بضاعته مزجاة، ولم تنضج الحكمة في أوانه نضجا يجنى. ومن يتكلف له العصبية، وليس في يديه من علمه إلا ما هو منقول إلينا، فذلك إما عن حسد لهذا الرجل، وإما لعامية فيه ترى أن الأقدم زمانا أقدم في الصناعة رتبة والحق بالعكس.
ونسأل الله الهداية والتوفيق.
)تم كتاب السفسطة (
الفن الثامن من الجملة الأولى من المنطق ريطوريقا أربع مقالات
سبعة فصول فصل
قد سلف لك الفرق بين الصنائع القياسية الخمس، واستبنت صورة التصديق اليقين، وصورة ما يقاربه، وصورة الإقناع المظنون، وعلمت مفارقة الإقناع للوجهين الأولين، وتحققت أن للإقناع درجات في التأكد والوهن، وبأن لك أن الصنائع الحائمة حوم التصديق أربع من الخمس، وأن المغالطية مرفوضة، وأن الجدلية قليلة الجدوى على الحكماء إلا بالطرق المشتركة بينها وبين البرهان، وإلا بالارتياض وبالإقناع في المبادئ، وإلا في تخطئة مخافلين للحق من نفس ما يسلمون، وأن الجدلية أيضًا يسيرة الفائدة على العامة، فإنها وإن كانت مستوهنة ضعيفة بالقياس إلى الصناعة البرهانية، فهي متينة صعبة بالقياس إلى نظر العامة، وأن العامة - بما هم عامة - تعجز عن تقبل الجدل إلا إذا صاقب بلينه حدود الخطابة، وأن الجدل، إذا ألزمهم شيئًا، وأذعنوا للزومه، خالوه مغالطة أضنتهم، أو شيئًا ليس يستوي لهم انكشافه، فهم في حيرة منه، ونسبوه إلى العامل بفضل القوة لا بفضل الصواب، والمسكوت عنه للحيرة ولقصور المنة، لا لمصادفة الموقع. فيكون عندهم أنهم لو تيسرت لهم نفلة عن درجتهم إلى فضل استظهار بنظر واستبصار بعرفان، لم يبعد أن ينقضوا ما سمعوه ويعلموا موضع التلبيس فيما عجزوا عنه. وبالجملة: إذا استقصروا أنفسهم عن شأو المفاوض بالقياسات الجدلية زالت ثقتهم بما أنتج عليهم، فلم يعلموا أن الحق موجبه، أو القصور مخيله.
فيجب أن تكون المخاطبة التي يتلقاها العامي بعاميته من الجنس الذي لا يسترفعه عن مقامه استرفاعا بعيدا كأنه متعال عن درجة مثله، بل يجب أن يكون الفائق فيها فائقا في الباب، أعني أن يكون المقتدر على إجادته معدودا في جملة مخاطبي العامة، لكنه أثقف منهم من غير مجاوزة لحدودهم.
وليس تبقى لنا صناعة قياسية تناسب هذا الغرض غير الخطابة. فلتكن الخطابة هي التي تعد نحو إقناع الجمهور فيما يحق عليهم أن يصدقوا به. ولتتضع عن نفع يعود منها على الحكمة أو على الجدل.
ولما كان المخاطب إنسانا وكل إنسان إما خاصي، وإما عامي والخاصي لا ينتفع من حيث يحتاج أن يصدق تصديق الخواص إلا بالبرهان والعامي لا ينتفع من حيث يحتاج أن يصدق تصديق العوام إلا بالخطابة فالصناعتان النافعتان في أن يكتسب الناس تصديقا نافعا هما: البرهان والخطابة.