وقد ينفع هذا البحث في الحدود والرسوم، لأن أول ما يجب أن يُطلب في الحدود هو الشيء المتشابه فيه، لأن أول ما يُطلب هو الجنس؛ والجنس أصل التشابه في الأمور الذاتية؛ والرسوم قد يوجد فيها إما أجناس، وإما بدل الأجناس أمور مناسبة للأجناس.
وأيضًا فإنه إن كان عندنا حد لشيء ما، ولم يكن عندنا حد أو رسم لشيء آخر، فربما كان ذلك الآخر شيئا بعيدا عنه جدا، وكان مع ذلك يشابهه في أمر، وذلك الأمر جزء حده أو رسمه، ثم ما وراء فصوله، فينبه من هناك على جنس ذلك الشيء الآخر، ثم يقرب الأمر في ارتياد الفصل. وهذا مثل مشابهة سكون الريح لركود البحر، والوحدة للنقطة، إذ كل واحد منهما مبدأ كم.
والجدليون إذا وجدوا عاما مثل هذا، وجدوا جنسا، أو ما هو في المشهور جنس، أو ما هو قائم في الرسوم مقام الجنس.
فهذه هي الآلات النافعة في اكتساب القُنية الجدلية، ثم يليها الوقوف على المواضع.
وهي ستة فصول
فصل (أ)
إنا سنبتدئ في هذه المقالة بذكر المواضع، سالكين فيه سهيل التعليم الأول؛ فإن ما أثبت في التعليم الأول أثبت على سبيل جمع من غير أن يتعقب مرة أخرى للترتيب؛ فإن جمع ذلك عجيب عظيم؛ والشغل به ربما صرف عن معاودة التكلف لما هو عائد بحسن الرتبة دون الضرورة. فلو شاء شاءٍ أن يرتب ما هو مواضع الإثبات والنفي المطلقين على حدة، ويميزه عن الذي يخص العرض من حيث له الوجود العرضي، لم يكن بما يتكلفه من ذلك بأس. وكذلك إن كان من المواضع شيء بينه وبين لِفقِه موضع كأنه غريب بينهما، فلمتكلف أن يتكلف تغيير الحال فيه. على أن الفطن تغنيه جودة الفهم عن الترتيب؛ والبليد لا ينفعه الترتيب الحسن؛ فنقول الآن: المطالب التي تساق إليها المقاييس كلية وجزئية؛ وما أثبت كليا أو أبطل بالكلية، فقد يضمن الجزئية فيما فعله. والعرض فقد يثبت كليا، وقد يثبت جزئيا، ولا يبطله من حيث هو عرض سلبه جزئيا. وأما ما سواه فإن جميعه يحتاج أن يثبت كليا؛ ويبطله أن لا يوجد في البعض. لكن الخاصة والحد يحتاجان أن يثبتا كليين، وأن يبطلا عما سوى الموضوع إبطالا كليا. وأما العرض فممتنع أن يثبت معاكسا للموضوع؛ فإنه حينئذ ينقلب خاصة، لكن ذلك ينفع في إبطال العرض، لكنه إذا أثبت أنه معاكس لم يكن عرضا؛ لكن إثبات ذلك صعب جدا. فإذا كان العرض وجوده أقرب إلى أن يكون وجودا بلا زيادة تأكيد حتى يكفي أن يكون موجودا، وأن لم يكن للجميع أو كان للجميع ولم يكن مقوما - وجميع ذلك لا يزيده معنى وجوديا على الوجود؛ بل الزيادة هو إما أن لا يكون عاما، وإما أن لا يكون مقوما؛ وما أشبه ذلك - وكان ما وراء العض يحتاج في أمره إلى نظر زائد؛ وكان المجيب إذا نص أن الشيء جنس تكون نصرته له بعد أن يكون سلم له الوجود؛ والسائل إذا خاصمه في انه ليس بجن إنما يخاصمه المخاصمة الخاصية بأنه ليس يجلس إذا كان سلم له أنه موجود. وأما إذا ادعى في شيء أنه عرض فيكون قد أعطى أنه لا يضمن كونه عاما بل كونه عرضا؛ فيكون في أكثر الأمر إنما يخاصمه السائل في أن هذا ليس بموجود، فضلا عن أن يكون عام. وأما أن يقول له ذا موجود، ولكنه جنس لا عرض، فهو مما يقع ندرة. فكان إلحاق مواضع العرض في التعليم بمواضع الإثبات المطلق مما له فائدة.
وعلى أن النظر في المحمولات التي هي أجناس وحدود وخواص نظران: أحدهما هل هي موجودة لموضوعاتها، وهذا النظر يدخل في اعتبار الوجود؛ وقد عرفت في مواضع أخرى ما في ذلك. والنظر في أن المحمول هل هو جنس، أو هل هو حد، أو هل هو خاصة، وهذا نظر في عارض طبيعة، لأن الجنسية - كما علمت - أمر ما يعرض للطبيعة الجنسية، فيكون النظر في هذه المحمولات من جهة نظرا أخص من النظر في الوجود، ونظرا في انه هل الشيء عرض.
وقد ظن في هذا الموضع أن السائل مبطل، والمبطل سالب. قيل: فلهذا قدم النظر في السلب الكلى في هذا الموضع على الإيجاب؛ وهذا كذب وزيغ؛ فإنه كما أن المبطل للإيجاب يكون بالسلب، كذلك المبطل لوضع سالب إنما يكون بالإيجاب.