فهرس الكتاب

الصفحة 683 من 781

وكما أن المخاطبة البرهانية لا يبعد أن يراد بها الغلبة نفسا، وكذلك المخاطبة الخطابية، فكذلك المخاطبة الجدلية لا يستنكر أيعدل باستعمالها عن جهتها إلى جهة التصديق. وقد نطق الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه الذي هو تنزيل العزيز الحكيم بمثله، فقال: ادع إلى سبيل ربك أي الديانة الحقيقية بالحكمة أي بالبرهان، وذلك ممن يحتمله والموعظة الحسنة أي الخطابة، وذلك لمن يقصر عنه وجادلهم بالتي هي أحسن أي بالمشهورات المحمودة. فأخر الجدل عن الصناعتين لأن تينك مصروفتان إلى الفائدة، والمجادلة مصروفة إلى المقاومة. والغرض الأول هو الإفادة، والغرض الثاني هو مجاهدة من ينتصب للمعاندة.

فالخطابة ملكة وافرة النفع في مصالح المدن، وبها يدير العامة.

فصل

الخطابة قد تشارك الجدل باعتبار، وتشاكله باعتبار. أما المشاركة فمن جهتين: إحداهما في القصد، والثانية في الموضوع. أما المشاركة بالقصد فلأن كل واحد منهما يروم الغلبة في المفاوضة. أما القائس فبالإلزام، وأما الآخر فبالانفصال. وإن كان في الخطابة غرض آخر هو غرض القائس، وذلك هو إيقاع التصديق، وكان الآخر لا يكفيه في كمال فعله أن يقاوم المقدمات والقياس فقط، بل وأن يعود قائسا على مقابل نتيجة الخصم فيبين كذبه.

والجهة الثانية من الجهتين الأوليين أنه ليس ولا لواحد منهما موضوع يختص به نظره. أما الجدل فقد علم أمره. وأما الخطابة، فإن العامة لا يهتدون إلى تمييز الموضوعات بعضها عن بعض، وتخصيص الكلام في موضوع مبني على مباد تليق به وحده، على ما توجبه الصناعة البرهانية. بل الخطابة في ذلك كالجدل. وإن كان الجدل التفاته الأول إلى الكليات، والخطابة التفاتها الأول إلى الجزئيات. على أن لها أيضًا أن تتعاطى الكلام في الكليات من الإلهيات والطبيعيات والخلقيات. فهذا هو المشاركة.

وأما المشاكلة، فلأن مبادئهما جميعا المحمودات. لكن الجدل محموداته حقيقية، والخطابة محموداتها ظنية.

ولما كان كل واحد من الجدل والخطابة متعرضا لكل موضوع، صارا مشاركين للعلوم البرهانية في موضوعاتها من وجه، فحصل أيضًا بينهما وبين العلوم مناسبة ومشاكلة.

وهذه الصناعة قد يتعاطى أفعالها كل إنسان، وتجري بينهم مفاوضات، تبين لك بأن تتأمل ما يختلفون فيه من مدح، أو ذم، أو شكاية، أو اعتذار، أو مشورة. فمنهم من تصرفه في بعض هذه المعاني أنفذ، ومنهم من هو متصرف في جميعها، ومنهم من ينفذ في ذلك بملكة حصلت له عن اعتياد أفاعيلها من غير أن تكون القوانين الكلية محصلة عنده حتى يعلم لمية ما يفعله وتكون عنده أحكام صناعية مجردة عن موادها، ومنهم من يجمع إلى الملكة الاعتيادية ملكة صناعية حتى تكون القوانين محققة عنده، وهو الإنسان الذي أحاط بهذا الجزء من المنطق علما، واكتسب الملكة بالمزاولة. والملكة الاعتيادية وحدها، وإن كانت تنجح، فلا عن بصيرة. والملكة الصناعية وحدها أيضًا تكون فاترة الإنجاح غير نافذة.

وقد ذكر المعلم الأول: أن سلفه إنما كان مقاومهم في الخطابة مقام من له ملكة اعتيادية، ولم تكن تميزت له صورة الملكة الصناعية، ولا تكلموا فيها ولا خاضوا خوضا يعتد به. إذ كان أكثر ما تكلموا فيه هو النظر في الأمور اخارجة عن عمود الخطابة.

وذلك لأن الخطابة لها عمود، ولها أعوان. أما العمود: فالقول الذي يظن أنه ينتج بذاته المطلوب. وأما الأعوان: فأحوال أيضًا وأقوال خارجة عن ذلك العمود. وذلك لأنه، لما لم يكن للغرض في الخطابة إصابة الحق، ولا إلزام العدل بل الإقناع وحده، كان كل مقنع مناسبا للغرض. وليس كل ما يقنع هو قول قياسي أو تمثيل، أو شيء مما يجري مجرى ذلك. فإنك قد تقنع بما يحكم به المعروف بالصدق من غير أن تسومه إقامة البرهان، وتقنع بما يخبر به من تشهد سحنته وهيئته بما يخبر به، كالذي هيئته هيئة مرعوب مذعور، إذا حدثك بأن وراءه فتنة أو آفة. وكل من يحاول إقناع آخر، فإما أن يحاول ذلك بالشيء الذي من شأنه أن يقنعه به، وإما أن يجعله مستعدا للقناعة بما لولا الاستعداد أوشك أن لا يكون مقنعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت