وأما الجدل فينفع في أن يغلب المحاور محاوره غلبة. وأما أن يفيده تصديقا ينفعه، فهو في بعض حواشي الصناعة، دون أسها، أو بما يعرض عنها، لا لأنها جدل. وليس قصد الغلبة هو بعينه قصد إفادة التصديق. فإن السوفسطائية تقصد الغلبة، ولا تقصد إفادة ألبتة. وكذلك المفاوضة الامتحانية والمحاورة العنادية. ولو أريد بالجدل الدلالة على الصدق، لما كانت الصناعة متجهة إلى المتقابلات، ومبنية على المسلمات. وحيث يراد بالجدل إقناع المتعلم في المبادئ، فليس يراد أن يفاد تصديقها جزءا. فإن المعلم يكون قد جانب فيه طريقة من يعلم، وجنح إلى سيرة من يغر، وآثر مذهب من يغش، إن أوهم ذلك وكذب فيما يقول. بل ءاية غرضه في ذلك أن يزيل عن نفس المتعلم الاستنكار، ويشعره قرب الوضع من الإمكان، ويميل بظنه إلى طرف واحد من طرفي النقيض ومثله.
وإن كان من العامي تصديقا، فليس يكون من الخاصي تصديقا. فإن الخاصي قد تمت منه الإحاطة بأن تصديق مثله إنما هو بالحق، وأنه لا تصديق له بما فيه بعد إمكان عناد. وأما تصديق العامي فليس من شرطه أن ينمحق الشك معه. ولذلك من شأن العامي أن يقول لمخاطبه: صدقت وأحققت. وليس من شأن الخاصي أن يقول في مثل ذلك لمخاطبه: صدقت وأحققت.
وليس لقائل أن يقول: إن التصديق أعم من التصديق الخاصي، فيكون المتعلم، إذا أقنع في المبادئ كيف كان، فقد أفيد التصديق المطلق، وإن لم يفد التصديق الخاصي. فإنا نجيبه: أن الخاصي لو وقع له بمثل هذه المعاملة تصديق من جنس التصديق العامي، لكان يحق علينا أن نقول: إن هذه المخاطبة تفيده تصديقا، وإن لم يكن تصديقا خاصيا. لكن الشاعر بالتصديق الخاصي والمستعد له ليس من شأنه أن يقع له التصديق ألبتة، إلا على نحو التصديق الخاصي والشبيه به الذي لا يخطر مقابله بالبال خطور ما يجوز وجوده. فما خرج عن ذلك أو لم يناسبه، لم يقع له تصديق به. واما العامي فلا يشعر بذلك، بل يأخذ الأمر مصدقا به، إذا مالت إليه نفسه، ويتحرى أن يميط المقابل عن ذهنه. وإن لاح له جوازه، فيكون ميل نفسه إليه مقارنا للتصديق وعلة له، وإن لم يكن نفس التصديق. فإنه إذا كان ميل نفس مع شعور بجواز النقيض مخطرا بالبال مساعدا على أنه لا يبعد أن يكون، فليس بعد هناك تصديق ولا ظن مؤكد، بل ميل ظن. فإذا انعقد الرأي، وجعل النقيض - مع إمكانه كونه عند المستشعر - في حكم ما لا يكون، كحكمنا على كثير مما يمكن عندنا كونه بأنها لا تكون، فحينئذ يكون تصديقا. وميل النفس يوقع التصديق عند العامي ويمقت إليه اعتقاد أن طرفه الآخر يكون، وإن كان جائزا عنده أن يكون. ولا يفعل ذلك بالخاصي. فإن كان المتعلم في درجة المرام، والمعلم في درجة المروجين، كان ذلك يصدق من حيث هو عامي، لا من حيث انتقل إلى التخصيص وكان هذا يروج من حيث هو مغالطي، لا من حيث هو مجادل، أو معلم. على أن المناقشة في هذا مما عنه مندوحة. فلنضع أن هذا النوع من استعمال قوانين الجدل موقع التصديق. إلا أن هذا النوع ليس من الأغراض الأولية للجدل، بل هو من الأمور المتعلقة بالجدل والمنافع المستدرة عن صناعة الجدل. ولربما نفعت صناعة في غير ما أعدت له. فإذا الغاية القصوى في الجدل هي الإلزام. ولربما حسنت معونته على التصديق إما مع العامي إذا ترافع عن العامية يسيرا، فأريد أن يحبب إليه عقد أو يبغض عليه رأي، من غير أن تعم منها هذه المعونة جماعة المنسوبين إلى العقل من الجمهور كلهم، بل أفرادا منهم، كأنهم خواص، وكأنهم مذبذبون، لا إلى الخاصة حقا، ولا إلى العامة حقا؛ وإما مع المتعلم إذا أريدت منه السلاسة لقبول المبادئ، من غير أن يقتصر به عليه، أو يوهم كفاية له فيه.