فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 781

وأما الذين يحاولوا أن يضعوا الشرطية الأولى، ثم يبنوا منها الخلف، فإنهم يقولون: لكن التالي محال، ويجعلون قولنا: التالي محال، دعوى. فمنهم من يتكلف أن يصادف قياسًا يجمع بين التالي وبين المحال، فيقول: إن التالي يجتمع منه ومن حق قياس منتج المحال، وما اجتمع منه ومن الحق ذلك فهو محال. ثم يأتي بقياس ينتج الصغرى فيقول: إن التالي يجتمع منه ومن كذا قياس ينتج المحال، وما اجتمع منه ومن كذا قياس ينتج المحال، فقد اجتمع منه ومن حق قياس ينتج المحال.هذا بعد أن يكون فيه إدغام مقدمات وتكلف كثير وطول كلام على المحلل. ومنهم من يعرض عن هذا، ويأخذ تأليفات من التالي ومن حق، فينتج محالًا. ثم يعود فيقول: إن هذا المنتج محال، فهو إما عن الكبرى، أو الصغرى، أو التأليفات. ثم يستثني: وليس عن التأليفات، فينتج: فهو إذن إما عن الكبرى، وإما عن الصغرى. ثم يستثني: وليس عن الكبرى، إذ كان الحق هو الكبرى، فينتج: فهو إذن عن الصغرى. ثم يقول،والصغرى محال، فينتج: نقيض التالي حق، ونقيض المقدم حق. ثم يكون في جملة هذا أنواع من البتر ومن إضمار قياسات لم يصرح بها، لا فائدة لنا بتطويل الكلام في ذلك. والذي أوردناه هو عين القياس الخلفي من غير زيادة ولا نقصان.

لكن العادة جرت في استعمال الخلف بأن تستعمل تلك الاقترانيات، ثم تترك النتيجة فلا تذكر؛ بل يذكر ما هو الحقيقة استثناء لنقيض تاليها، فينتج المطلوب. مثلا العادة في ذلك هي أنه إذا قيل: إن كان ليسس كل ج بَ، فكل ج بَ، وكل بَ اَ، فكل ج اَ، وهذا محال، فكل ج بَ. ويكون قوله فكل ج اَ، معناه إن كان ليس كل ج بَ، فكل ج اَ. وإذا كان الأمر على ما وصفناه فكل ج اَ. ويكون قوله: هذا محال، معناه أنه ليس كل ج اَ، وهو استثناء نقيض التالي. فالعادة مستمرة إذن على وفاق تحاليلنا لقياس الخلف. ومعنى قولهم: قياس الخلف، أي القياس الذي يرد الكلام إلى المحال، فإن الخلف اسم للمحال، وأما الذين يقولون: قياس الخلف بضم الخاء، فقد زاغوا، إذ الخلف إنما يكون في المواعيد فقط. وبعضهم قال إنما سمي قياس الخلف، لأنه لا يأتي الشيء من بابه، بل يأتيه من ورائه وخلفه؛ إذ يأتيه من كريق نقيضه. والأوقع عندي أن الخلف المستعمل ههنا هو بمعنى المحال لا غير.

من الفن الرابع من الحملة الأولى في المنطق

(ا) فصل

إن كل قول قياسي ينتج منه حملي فإنه يتم بأحد الأشكال الثلاثة التي للحمليات. وبالجملة فإن الاستثنائيات تتم بالاقترانيات إذا أريد أن يكون القياس مفيدًا. فنقول أن قياس الخلف قد بان أنه يتم بالقياسات الاقترانية والشرطية والاستثنائية، والقياس الشرطي فقد أوضح من امره أنه تتم فائدته بالاقترانيات. وإذ الكلام في أنولوطيقا القديمة إنما هو القياس المنتج الحملي، فيكون المراد بالاقتراني فيه، وبالحملي واحد. فنقول: وقد اتضح لك أن القياس الاستثنائي المنفصل إنما يستثنى فيه لاستشعار المتصل؛ وان المتصل، الذي يستثنى فيه النقيض التالي، يستبين بالذي المستثنى فيه عين المقدم؛ فإذا أوضح أن المستثنى فيه عين المقدم لا يفيد إلا بالقياس الاقتراني؛ بأن لك ذلك في جميع القياسات الشرطية والحملية. فأحسن ما تكلف في إبانة ذلك إن قيل فيه ما قاله بعض المحصلين: إنه لو كان المقدم بينا واضحًا، لكان لازمه وتابعه بينا واضحًا، وكان في إثباته بالقياس محالًا، إذ القياس بين الخفي، فأما البين فلا حاجة به إلى أن يقاس عليه. قال: ولولا أن المقدم غير بين لما ألحق به لفظ الشك، وهو الشرط. فإن قلنا: إن كان كذا كذا، فكذا كذا. يقتضي أن المقدم شكا. فإذا زال، صح حينئذ التالي. فإن كان المقدم بينا نفسه، فما معنى إلحاق لفظ الشك به. فيجب أن نتصفح هذا البيان، فإن وجدناه ناقصًا أكملناه، وإن وجدناه باطلًا انتقلنا إلى غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت