وقد شبه المعلم الأول حال اجتماع صورة الكلى في النفس بحال اجتماع الصف في الحرب، فإنه إذا وقعت هزيمة فثبت واحد فقصده آخر ووقف معه، ثم تلاهما ثالث واتصل المر فجعل واحد واحد بعود، انتظم الصف ثانيا، فيكون الصف ينتظم قليلا قليلا. وكذلك العلم والصورة الكلية العلية ترتسم في النفس قليلا قليلا عن آحاد محسوسة إذا اجتمعت اكتسبت منها النفس الصورة الكلية ثم قذفتها. وذلك أيضًا لأن الذي يحس الجزئي فقد بوجه ما الكلى، فإن الذي يحس بسقراط فقد يحس بإنسان. وكذلك ما يؤديه؛ فإنه يؤدي إلى النفس سقراط وإنسانا: إلا أنه إنسان منتشر مخالط بعوارض ل إنسان صراح. ثم إن العقل يقشره ويميط عنه العوارض فيبقى له الإنسان المجرد الذي لا يفارق به سقراط افلاطون. ولو أن الحس لم يكن أدرك الإنسان بوجه ما، لكان الوهم فينا وفي الحيوان لا يميز بين أشخاص النوع الواحد والنوع الآخر ما لم يكن عقل. ولا الحس أيضًا يميز ذلك؛ بل الوهم. وإن كان الوهم إنما يميز شيئا والعقل يميز شيئا آخر.
وكلما اصطادت هذه القوة معنى كليا ضمنته إلى آخر واصطادت بهما معنى كليا آخر. وهذا المأخذ الطبيعي في إدراك النفس للأمور الأولى، شبيه بالمأخذ الصناعي الذي إليه يدعو المعلم الأول في اقتناص الحدود - وهو التركيب. وهذا من دلائل شرف التركيب. قيل فلننظر أي قوة من قوى النفس هذه؟ فإنا نقول: إن للنفس قوة علاّمة بها تكتسب المجهولات بالنظر، وقوة عاقلة، وقوة ظانة، وقوة مفكرة، وقوة متوهمة. ولا يعرض (120ب) لنا في القوى الباطنة قوة دراكة غير هذه. ثم الظانة والمتفكرة والمتوهمة لا يُعتد بها، ولا حكمها صادق دائما، حتى تتقدم على قوة العلم. ولا قوة العلم صالحة لهذا، لأنه كما أن مبدأ الرهان ليس يكتسب بالبرهان، فكذلك مبدأ العلم لا ينال بقوة العلم. ولم تبق قوة تصلح لهذا إلا العقل. فهذه القوة هي قوة العقل النظري المجبول فينا، وهو الاستعداد الفطري الصحيح.
وأما المبدأ لقبول العلم فهو العقل بالملكة. وسيعرفان في"كتاب النفس". وهذه القوة العاقلة إنما تفعل فعلها الأول إذا اعتدل مزاج الدماغ، فقويت القوى المعينة: أعني الخيال والذكر والوهم والفكرة فتمت آلات العقل.
واعلم أن النظر في المواضع المعينة في الفن الذي في الجدل نافع جدا في البرهان إذا تعقبت منه المواضع البرهانية. ونحن ننتقل من هاهنا إلى ما هنالك. فإذا وضع موضع برهاني دللنا عليه.
تم البرهان من كتاب الشفا: وهو الفن الخامس ولله الحمد.
1 1 - /الجدل
فصل (1)
كما أنه لا سبيل إلى معرفة القياس إلا بعد معرفة القضايا، ولا سبيل إلى معرفة القضايا إلا بعد معرفة الألفاظ البسيطة، كذلك لا سبيل إلى معرفة أصناف القياسات إلا بعد معرفة القياس المطلق.
وأهم الأشياء بالإنسان أن يشتغل بما يكمل ذاته الشخصية، ثم يشتغل بما ينفع نوعه، أو يحفظ نوعه. وذات الإنسان بالحقيقة إما أن تكون هي النفس الناطقة، أو تكون هي الجزء الأشرف، وهي الشيء المقصود تكميله من ذاته. وكمالها مكسوب بمعرفة: فمنه ما هو معرفة فقط، ومنه ما هو معرفة لما يعمل به. والمعرفة المكسوبة هي بالقياس اليقيني؛ والقياس اليقيني هو البرهان. فيجب أن يكون الإنسان معتنيا أول شيء بمعرفة البرهان.
وإذ لابد من تقدم معرفة القياس قبله، فيجب أن يفزع عن القياس إلى البرهان؛ وقد أعطينا ما أمكننا إعطاؤه على سبيل الاختصار من علم البرهان.