وإذ كل مخاطبة قياسية، فإما أن يكون القصد فيها التصديق أو لا يكون، بل التخييل، وهو الإنشاد الشعري. والتي القصد فيها التصديق فإما أن يكون المراد فيها الإيضاح للحق، وهو البرهان والتعليم؛ وإما أن يكون الراد فيها الغلبة والإلزام، وذلك إما في الأمور الجزئية وإما في الكلية. والتي في الكلية، فإما أن تكون الغلبة والإلزام فيه على سبيل أن الغرض فيه نفس الإلزام، أو على سبيل أن الغرض فيه غيره من امتحان، أو كشف وفضح. والذي الغرض فيه الإلزام، فإما على سبيل مغالطة، وإما على سبيل عدل؛ وجميع هذه مخصوصة بأسام لائقة، وتلك الأسامي لا تصلح إلا في المخاطبات، لأن ذلك المعنى لا ينفع إلا في المخاطبات. ولفظة الجدلي تليق بعدة منها، وهو ما يكون على سبيل المنازعة؛ فإنه إذا لم تكن منازعة، لم يحسن أن يقال جدل. وقد خص كل واحد منها باسم لائق به في حد تخصيصه، فالأولى أن يسمى باسم الجدل هذا القسم الذي بقى، فليس له اسم.
على ان المتناظرين إذا لم يكن بينهما معاندة ما، بل كانا يتخاطبان على سبيل قدح زند الفائدة؛ لم يحسن أن يقال لتناظرهما جدل. وأما إذا كان الغرض الإلزام، ولو للنافع بما يتمحل من المشهورات والمتسلمات، فكثيرا ما يخرج الحال بالقايس إلى أن يعاند ويحتال؛ فإن الحق طريقه واحدة غير متغير لا محيص عنه، ولا يحسن العناد فيه. وأما تمحل قياس غير حق لينتفع بالإقناع، فلا يبعد أن يحوج فيه إلى العناد واللجاج.
وكثيرا ما يكون الرأي النافع اعتقاده غير حق، فيحتاج أن يلزم الإنسان قبول غير الحق، فلا يبعد أن يخرج محاول ذلك عن حاق الإنصاف، إذا اتفق أن ينازع بما يقوى المقابل الذي هو الحق، فيضطر إلى الحيلة من المشهورات، ويضطر إلى الاحتراز والمخادعة. فإن المشهورات أيضًا كثيرا ما تتقابل، وكثيرا ما ينتقض بعضها بعضا، وكثيرا ما تتأدى إلى نتائج متقابلة - كما ستعلم - فيحوج أيضًا هذا القياس إلى أن يتخلص عن عهدة مشهور آخر، وإلى تغليب مشهوره الذي يستعمله. وربما كان الذي يوجب مقابله أغلب وأشهر، فإن المشهورات كما ستعلم مختلفة في القوة والضعف؛ وأما الحق والصدق فهو واحد. فالمناظر لا يخاف أن يفسد عليه الصدق حجته، فإن الصدق لا ينتج نقيض نتيجة الصدق، ولا يوجب مقاومة قياس الصدق. وأما المشهور فقد يعمل بالمشهور ذلك، والصدق كثيرا ما يعمل بالمشهور ذلك.
وربما كان الدعوى حقا، والبرهان عليه متعذرا، فيحتاج أيضًا إلى أن ينصره بما ليس بحق، بل بما هو مشهور، فيفطن لذلك مناقضه، فيصعب الأمر، ويحوج إلى المراوغة. فإذا كان القياس الجدلي ممنوا بالاحتراز عن جميع ذلك، لك يكن بد من أن يكون كلامه ليس صرف نظر في الأمور كما هي، ولا فيه اتباع لمنهاج واحد، بل يحتاج أن تكون معه ضروب من الحيلة، وأن يحوج إلى معاندة المشهور أو الصادق الذي نصره. ومن بلى بالتدبير في دفع نصرة الذي يناقض معه، لم يستغن عن ضرب من اللجاج، وإن كان غايته نفعا ما.
واسم المناظرة مشتق من النظر، والنظر لا يدل على غلبة أو معاندة بوجه. وأما الجدل فإنه يدل على تسلط بقوة الحطاب في الإلزام، مع فضل وحيلة أخرج من الطبيعي ومن العدل الصرف يسيرا. فليس بمخطئ من جعل القياس المؤلف من مقدمات مشهورة مخصوصا باسم القياس الجدلي، بل عمل الواجب. فلا يلتفتن أحد إلى ما يقوله بعض المموهين.
فصل (ج)
فغرضنا الآن في هذا الفن هو تحصيل صناعة يمكننا بها أن نأتي بالحجة على كل ما يوضع مطلوبا من مقدمات ذائعة، وأن نكون إذا أجبنا لم يؤخذ ما يناقض به وضعنا.
والصناعة ملكة نفسانية يقتدر بها على استعمال موضوعات ما نحو غرض من الأغراض، على سبيل الإرادة، صادرة عن بصيرة، بحسب الممكن فيها. ولذلك فجميع هذه المقاييس، والتصرف فيها، والعلوم كلها صناعة. وهذه الصناعة - أعني الجدلية - قد يعين على حصولها الاستعداد الجبلي في بعض الناس، وقد يعين على حصولها الممارسة والاستعمال للجزئيات.