وذكر في التعليم الأول: أن السلف المتكلمين في أصول الخطابة لم يزيدوا على أحكام تكلموا فيها متعلقة بالأمور الخارجية، ولم يفطنوا للكلام في العمود أصلا. فأما الأقاويل الانفعالية والخلقية فقد أكثروا فيها، وكذلك ما يتعلق بالترتيب من الصدر، والاقتصاص، والخاتمة، وجميع ما هو غير العمود مما ليس الغرض فيه نفس التصديق، بل الغرض فيه استدراج السامع. فلو اتفق أن يصطلح الخطباء كلهم في المدن كلها على ترذيل الخارجيات والاشتغال بالعمود، كما كان قد اصطلح عليه في عدة مدن في زمان المعلم الأول، لكان سعى أولئك الخطباء حينئذ قد بطل، ولم يكن إلى ما دونوه من أصولهم في الخارجيات حاجة، بل كان كأنه مما يزيف ويسقط، وكان مذهب الخطباء في ذلك العصر مذهبين: مذهب تختص به بلاد من بلادهم يسوغ للخطيب استعمال كل مقنع من العمود، ومن الحيلة، ومن النصرة؛ ومذهب يحظر ذلك كله ويحرمه ولا يسوغ أن يشتغل بشيء عدا القول المقنع. والصواب هو المذهب الأول. ومن لطف للمتصرف في ذلك كله، واقتنى الملكة فيه، عد فطنا لبيبا، وحسن التأتي أديبا.
فصل
وكل خطيب يتكلم في الأمور الجزئية، فإنه يحتاج إلى أن يثبت كون شيء موجودا أو غير موجود، في الحاضر أو الماضي أو المستقبل. وأما كون ذلك الشيء عدلا أو جورا، نافعا أو ضارا، فضيلة أو رذيلة، فربما لزمه أن يثبته، وربما لم يلزمه.
فإنه إن كانت الشريعة - إما المشتركة التي لا تنسب إلى شارع، بل تنسبها العامة إلى العقل، فمثل قولهم: الإحسان إلى الآباء واجب، وشكر المنعم فرض؛ وإما الخاصة لقوم وأمة؛ وإما ما هو أخص من ذلك كمعاقدة ومعاهدة - قد ينت أنه عدل أو جور، فقد كفى المثبت لوجود الأمر إثباته كونه عدلا أو جورا. وكذلك إن كان الخطباء والأئمة قد قضوا بذلك تفريعا على الأصول. وإما إن كان لا حكم فيه، فربما كان الأمر فيه موكولا إلى نظر الإمام والقاضي، ولم يكن إلى الخصمين أن يتشاجرا فيه، ويتوليا إقناعا في أمره؛ وربما لم يكن، بل كان عليهما أن يتشاجرا في ذلك، فأيهما أقنع الإمام والقاضي قضى له. وكان هذا القسم مما قل وجوده ويعسر اتفاقه في هذا الزمان، وكان المستمر في الأقاليم كلها هو تفويض الحكم في أن الأمر عدل، أو ليس بعدل إلى رأي الحاكم.
وأما النافع والضار فمن ذلك ما يعرفه الجمهور كلهم، ومنه ما يعرفه خواص منهم. وكل فرقة تختص باستبصار في ضرب من النفع والضر. ومنه ما يكون الحال فيه خفيا. فما كان - مما يثبت الخطيب وجوده - ظاهر التأدي إلى النفع والضر، وكان ذلك الضرب من النفع والضر مشتهرا عند الجمهور، لم يحتج الخطيب إلا إلى أن يثبت كونه أو لا كونه. وما كان خفي التأدية، جلى النفع أو المضرة، لزمه تصحيح التأدية فقط. وما كان خفي التأدية، خفي النفع والضر، لزمه إيضاح حال كونه نافعا أو ضارا. ففي مثل هذه المواضع يحتاج فيه إلى أن يبين أن أمرا يكون أو لا يكون. فإن كان نفس ذلك الأمر مؤديا إلى الغاية المطلوبة، أو إلى ضدها، بلا توسط شيء آخر، لم يحتج إلى إثبات تأديته إلى النافع أو الضار، بل ربما احتيج إلى إثبات كونه في نفسه نافعا أو ضارا. وإن كان مؤديا بتوسط، لم يكن بد من إثبات تأديته إلى النافع أو الضار، إن لم يكن بينا. ويكون ذلك إلى الخطيب. ويكون إلى الحاكم أن يحكم بأن قوله أشد إقناعا من قول خصمه. ولا يكون إلى الحاكم أن يحكم في ذلك بشيء هو عنده. اللهم إلا أن يكون ذلك أحكاما أخروية، ليست أمورا دنيوية. فحينئذ إذا أثبت الخطيب كون أمر أو لا كونه، قضى الحاكم أنه يجريه أو لا يجريه. ومعناه أنه نافع في الآخرة أو غير نافع.
وأما الأمور التي يمدح بها أو يذم: فمنها ما يكون إيجابه للمدح والذم قائما في الشريعة المشتركة، والمشهور المستفيض كما يكون دفع الشر عن المظلوم فضيلة؛ أو بالشريعة الخاصة كما يكون الصيام فضيلة، والحج فضيلة.
ومنه ما يكون استحقاقه للمدح والذم غير بين، فيحتاج أن يثبت كون الأمر محمودا، أو مذموما.