ولما كان كل ما يوجبه موجب فغير متعذر أن يسلبه سالب، وما سلبه سالب فغير متعذر أن يوجبه موجب، سواء كان زمانيا أو غير زمانى، فبين أن لكل إيجاب سلبا يقابله، ولكل سلب إيجابا يقابله. وهذا هو التناقض، أعنى أن يكون إيجاب وسلب متقابلين بالحقيقة. وإنما يكون هذا التقابل متقررًا إذا كان المعنى في الإيجاب محصلا من كل جهة، فيكون السلب قد تناول كل ذلك بعينه. أعني أن يكون الموضوع معنى واحدًا وكذلك المحمول وأن يكون الجزء الذى يتوجه إليه القصد في الموضوع أو المحمول محفوظًا بعينه، لا كما إذا قيل الإنسان يبصر أى بعينه، ثم قيل بعده أى الإنسان لا يبصر أى بيده، ظن ذلك مقابلا له. أو قيل إن الحبشى أسود أى في بشرته، ثم قيل ليس بأسود أى في لحمه، ظن أن هناك تقابلا. وإن أخذ أحد المعنيين في أحدهما بالقوة فيجب أن يؤخذ في الآخر بالقوة، كقول القائل: إِن المسكر محرم ويعنى ما يسكر بالفعل، وكقول الآخر: إِن المسكر ليس بمحرم ويعنى ما في طبعه أن يسكر ولم يسكر بعد، ظن أن هناك تقابلا وأن يكون المكان أن كان مكان، أو الزمان إن كان زمان، أو الجهة والاعتبار والإضافة إن كانت جهة واعتبار وإِضافة واحدا. مثال الجهة أن يقال إن الجسم مكيف أى بلونه ليس بمكيف أى بمقداره. ومثال الإضافة أن يقال إن الثلاثة نصف أى للستة، وليس بنصف أى للعشرة. بل القضية لا تكون صادقة أو كاذبة البتة في المعنى الذى يقصد بها ولا مسلمة ولا منكرة بل ولا متصورة فضلا عن أن تكون متقابلة إذا لم تحصل جميع الإمور المتعلقة بمعناها مما ذكرناه. فإذا كان إيجاب على وجه من هذه الوجوه فيجب أن يكون سلبه على ذلك الوجه، ثم إِن لحقه سور وجهة مما سنذكره اقتضى أن يكون السلب يقابله في ذلك، وسنؤخر الحكم فيه إِلى ما بعد. وهذه الأشياء إِذا أهملت في القضايا عرض منها مغالطات كثيرة في القياسات على نحو ما سنذكر في تعليمنا تبكيت المغالطين.
(ز) فصل
والمهملة والمخصوصة وتعريف التقابل الذي على سبيل التناقض والتقابل الذي على سبيل التضاد وتعريف التداخل وإيراد أحكام للقضايا من جهة ذلك
ولما كان موضوع القضية لا يخلو إِما أَن يكون كليًا أَو جزئيًا فالحكم إِماعلى الكلى وإِما على الجزئى. فإِذا كان الموضوع جزئيًا كقولك: زيد كاتب، فإن مناقضه سالب اجتمع فيه من مراعاة الشرائط ما ذكرناه، وأَما إِن كان الموضوع كليا فإِما أَن يكون الحكم عليه كليًا أَى يكون قد بين أَن الإيجاب على كل واحد مما تحته أَو أَن السلب عن كل واحد منه فلا إيجاب على شىء البتة مما تحته، أَو بين إَن الإيجاب أَو السلب في بعضه، أَو يكون قد ترك ذلك تركا ولم يتعرض له، وإنما تعرض للكيف دون الكم، أَعنى الإيجاب والسلب دون التعميم والتخصيص. مثال الحكم بالإيجاب الكلى على الموضوع الكلى قولك في الحمليات: كل إنسان حيوان، فقد أَوجبت الحيوانية على كل واحد مما يوصف بأنه إنسان. وأَما تتميم القول في تفهيم هذا فليؤخر إلى الفن الذى يذكر فيه القياس، فقد جرت العادة بذلك، وإن كان هذا الموضع أَحق به. ومثال السلب الكلى على الموضوع الكلى قولك: ليس ولا واحد من الناس بحجر وأما بحسب لغة العرب فإذا قيل: ليس أحد من الناس بحجر كان السلب يقتضى العموم، ولم يفهم منه أَنه يعنى أَحدا من الناس بعينه واحدا خاصيًا. وأَما بحسب دلالة اللفظ فالواجب هو الذى قلنا أَولا أَنه ليس ولا واحد البتة من الناس بحجر فكأنه قال لا يوجد إِنسان بحجر ولا واحد البتة من جملة الناس يوجد حجرا. وفى اللغة الفارسية يحتاج أن يقرن لفظة هيج بالسلب حتى يدل على العموم.