فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 781

على أن تحقيق القول في هذا إلى أصحاب صناعة اللغة. وهذان الحكمان ليسا بمتناقضين، وكيف وقد يكذبان معًا إذا كان المحمول من المعانى التى إذا قيست إلى شخص لم يجب أن يكون لها ولم يجب أن لا يكون وإذا قيست إلى طبيعة الإنسانية وجدت الإنسانية لا توجيها ولا تمتنع عليها. ومثاله كقولك كل إنسان كاتب أى بالفعل ولا واحد من الناس بكاتب، فإن كليهما كاذبان. ولو كان قولنا كل إنسان كاتب سلبه الذى يبقى صدقا عند كونه كاذبا هو ولا واحد من الناس بكاتب لكان يجب أن لا يكذب قولنا: ولا واحد من الناس بكاتب. فإذن ليس هذا مقابله بالتناقض، بل هو مقابل له من حيث هو سالب لمحموله مقابلة أخرى. فلنسم هذه المقابلة تضادًا إذا كان المتقابلان بها لا يجتمعان ألبتة في الصدق ولكن قد يجتمعان في الكذب كالأضداد في أعيان الأمور، فإن الأضداد لا تجتمع معًا ولكن قد ترتفع معًا، على ما علمت.

واعلم أن حال المحمول في نفسه عند الموضوع لا التى بحسب بياننا وتصريحنا به بالفعل أنه كيف هى له ولا التى تكون في كل نسبة إلى المحمول، بل الحال التى للمحمول عند الموضوع بالنسبة الإيجابية من دوام صدق أو كذب أو لا دوامهما تسمى مادة. فإما أن يكون الحال هو أن المحمول يدوم ويجب صدق إيجابه فيسمى مادة الوجوب كحال الحيوان عند الإنسان، أو يدوم ويجب كذب إيجابه ويسمى مادة الامتناع كحال الحجر عند الإنسان، أو لايدوم ولا يجب أحدهما ويسمى مادة الإمكان كحال الكتابة عند الإنسان. وهذه الحال لاتختلف في الإيجاب والسلب، فإن القضية السالبة توجد لمحمولها هذه الحال بعينها فإن محمولها يكون مستحقًا عند الإيجاب أحد الأمور المذكورة، وإن لم يكن أوجب، والكلية الموجبة حالها عند الكلية السلبة إذا اشتركا في الموضوع والمحمول والشروط المعدودة أن السالب منهما في الواجب هو الكاذب وحده دون الموجب، وأما في الممتنع فإن الموجب هو الكاذب دون السالب، وفى الممكن فكلاهما كاذبان. وأما الجزئيان فحكمهما في الواجب والممتنع حكم الكليين. وأما في الممكن في المشهور فالمشهور أنه يجب أن تصدقا جميعًا، لكن البين من أمرهما أنهما قد يصدقان في مادة الممكن كقولنا. بعض الناس كاتب وليس كل الناس بكاتب. وأما أن ذلك يجب وجوبًا فهو أمر لا يبين بنفسه للمبتدأ فإنه لا يجب عنده أن يكون المحمول الذى من مادة الممكن موجودًا لا محالة في بعض الموضوع معدومًا في بعضه، فإن المبتدئ لا يستنكر أن يكون شئ هو من جملة الممكنات البعيدة الغريبة، ثم يتفق أن لا يوجد البتة لشئ من أشخاص النوع في زمن من الأزمنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت