فهذه هي عدة الصناعات الشعرية على سبيل الاختصار. واليونانيون كانت لهم اغراض محدودة يقولون فيها الشعر. وكانو ا يخصون كل غرض بوزن على حده، وكانوا يسمون كل وزن باسم على حده. فمن ذلك نوع من الشعر يسمى )طراغوذيا (، له وزن طريف لذيذ يتضمن ذكر الخير والاخيار والمناقب الانسانية. ثم يضاف جميه ذلك الى رئيس يراد مدحه. وكانت الملوك فيهم يُغَنَّى بين ايديهم بهذا الوزن. وربما زادو فيه نغمات عند موت الملوك للناحية والمرثية. ومنه نوع يسمى(ديثر مبي) ، وهو مثل طراغوديا، ما خلا انه لا يخص به مدحة انسان واحد او امة معينة، بل الاخيار على الاطلاق. ومنه نوع يسمى ( قوموذيا ) وهو نوع تذكر فيه الشرور والرذائل والاهاجي. وكانوا ربما زادوا فيه نغمات ليذكروا القبائح التي يشترك فيها الناس وسائر. الحيوانات ومنه نوع يسمى ( ايامبو ) وهو نوع تذكر فيه المشهورات والامثال المتعارفة في كل فن ؛ وكان مشتركا للجدال وذكر الحروب والحث عليها، وفي معاني الغضب والضجر. ومنه نوع يسمى ( دراماط) ، وهو نوع مثل (ايامبو ) الا انه كان يراد به انسان مخصوص او ناس معلومون. ومنه نوع يسمى ( ديقرا ) ، وهو نوع كان يستعمله اصحاب النواميس في تهويل المعاد على النفوس الشريرة. ومنه نوع يسمى ( انثي ) وهو نوع مفرح يتضمن الاقاويل المطربة لجودتها او لغرابتها. ومنه نوع يسمى ( افيقي ) ريطوريقي، وهو نوع كان يستعمل في السياسة والنواميس واخبار الملوك. ومنه نوع يسمى ( صاطوري ) وهو نوع احدثه الموسيقاريون خاصة في ايقاعه والتلحين المقرون به، وزعم انه يحدث في الحيوان حركات خارجة عن العادة. ومنه نوع يسمى ( فيوموتا) وكان يذكر فيه الشعر الجيد والرديء ويشبه كل ما يجانسه، ومنه نوع يسمى ( ايفحا باساردس) واحدثه انبدقليس، وحكم فيه على العالم الطبيعي وغيره. ومنه نوع يسمى (اوتوستقي) ، وهو نوع تلقن به صناعة الموسيقى لا نفع له في غيره.
والان فانا قد نعبر عن هذا القدر الذي امكنا فهمه من التعليم الاول، اذ اكثر ما فيه اقتصاص اشعار ورسوم كانت خاصة بهم ومتعارفة بينهم يغنيهم تعارفهم اياها عن شرحها وبسطها0 وكانت لهم، وكما اخبرنا انواع معدودة للشعر في اغراض محدودة ويخص كل غرض وزن ؛ وكانت لهم عادات في نوع خاصة بهم كما للعرب من عادة ذكر الديار والغزل وذكر الفيافي وغير ذلك0 فيجب ان يموت هذا معلوما مفروضا.
فنقول الان: اما الكلام في الشعر، وخاصة كل واحد منها، ووجهه اجادة قرض الامثال والخرافات الشعرية، وهي الاقاويل المخيلة، وابانة اجزاء كل نوع بكميته وكيفيته فنقول فيه ان كل مثل وخرافة فاما ان يكون على سبيل تشبيه بآخر ؛ واما على سبيل اخذ الشيء نفسه، لا على ما هو عليه، بل على سبيل التبديل، وهو الاستعارة او المجاز؛ واما على التركيب منهما. فان المحاكاة كشيء طبيعي للانسان، والمحاكاة هي ايراد مثل الشيء وليس هو هو، وذلك كما يحاكي الحيوان الطبيعي بصورة في الظاهر كالطبيعي. ولذلك يتشبه بعض الناس في احواله ببعض ويحاكى بعضهم بعضا ويحاكون غيرهم0 فمن ذلك ما يصدر عن صناعة، ومن ذلك ما يتبع العادة، وايضا من ذلك ما يكون بفعل، ومن ذلك ما يكون بقول. والشعر من جملة ما يخيل ويحاكى باشياء ثلاثة: باللحن الذي يتنغم به، فان للحن يؤثر في النفس تأثيرا لا يرتاب به. ولكل غرض لحن يليق به بحسب جزالته او لينه او توسطه. وبذلك التاثير تصير النفس محاكية في نفسها لحزن او غضب او غير ذلك ؛ وبالكلام نفسه اذا كان مخيلا محاكيا، وبالوزن، فان من الاوزان ما يطيش، ومنها ما يوقر. وربما اجتمعت هذه كلها. وربما انفرد الوزن والكلام المخيل فان هذه الاشياء قد يفترق بعضها من بعض، وذلك ان اللحن المركب من نغم متفقة ومن ايقاع قد يوجد في المعازف والمزاهر ؛ واللحن المنفرد الذي لا ايقاع فيه قد يوجد في المزامير المرسلة التي لا توقع عليها الاصابع اذا سويت مناسبة. والايقاع الذي لا لحن فيه قد يوجد في الرقص ؛ ولذلك فان الرقص يتشكل جيدا"بمقارنة اللحن اياه حتى يؤثر في النفس."