ومن الأمثلة لهذا الباب: الإنسان المحسوس، وكل محسوس فإنه يعدم من جهة ما هو محسوس. فكلما أردت أن تنتج في أمثال هذه الأشياء بشرط، فيجب عليك أن تأخذ الأكبر في الأوسط بالشرط، ثم تحلل. وإن صح إنتاجك مرسلًا، فخذ ذلك مرسلًا، ثم حلل. مثال الأول إذا أردت أن تنتج أن الخير معلوما ما، فقل لأنه موجود ما. وإن أخذت: معلوم، فخذ: موجود. ومتى انغلق، فبدل الألفاظ ما شئت. وربما كان حذف جزء من اللفظ المؤلف، غير مؤثر في غرضك، وإنما أخل إدخالًا غير ضروري، بل لفرط بيان، فتكون إن أسقطه لم يتغير المعنى، فأسقطه، ثم حلل. فإنه ربما أردت أن تنتج: إن كذا هو المتوهم؛ ويكون الوسط المظنون؛ فتقول: المتوهم جنس المظنون، وكذا هو المطنون، فيدخل الجنس بين الحدود. وإنما أدخلته لتدل على أن حمل المتوهم على الظنون صحيح. ثم إن أسقطت ذلك لم يضرك في الإنتاج، فأسقطه لينحل القول إلى القياس. وربما كان الأمر بالضد، فيكون حذف شيء يسير يوقع خلافًا كثيرًا، كما أن إدخاله يوقع أيضًا خلافًا كثيرًا. فإنك إن قلت: إن اللذة هي خير، كان له معنى. وإذا قلت: إن اللذة هي خير، كان له معنى. وبين المعنيين بون بعيد. وكيف والأول منهما صادق عند من سلم أن اللذة خير، والآخر ليس بصادق، إذ ذلك يوجب أن يكون الخير مساويًا في الحمل للذة. وكذلك من أورد أن ينتج: أن اللذة هي خير، فيجب أن يجعل الأكبر خيرًا، بغير الألف واللام. وإن أراد أن ينتج: أن اللذة هي الخير، فيجب أن يأخذ الأكبر مع الألف واللام حدًا أكبر. ولقائل أن يقول: إن في هذا خللًا، فلتكن بَ هو الحد الأوسط، فيكون حينئذ اللذة هي بَ. فلا يخلو إما أن تقول: إن كل بَ هو الخير، أو تقول: بعض بَ هو الخير، أو تقول ال بَ هو الخير. فإن قلت: كل بَ هو الخير، فكأنك قلت: كل واحد مما هو بَ، هو الخير كله، وهذا كذب. وإن قلت: بعض، صارت الكبرى جزئية.وإن أخذت مهملة، كانت الكبرى مهملة، فلم ينتج. فنقول في جواب هذا: إن المهملة في المادة المنعكسة تنتج. وذلك لأن المحمول فيها لا يكون مختصًا ببعض الموضوع دون الموضوع، بل على كل الموضوع. كما أن الموضوع مقول على كله. فلا يقلب الأصغر، لا يكون أيضًا إلا منعكسًا، ولا يمكن أن يوجد إلا على هذه الصفة. وفي هذه المادة قد يكون قياس من مهملتين، حيث يقال: إن اللذة هي ال بَ، وال بَ هي الخير، وتكون هذه المساويات بعضها لبعض. فتنعكس فتكون كل لذة بَ، وكل بَ لذة، وكل بَ خير، وكل خير بَ. ولكن قولنا: كل خير بَ، لا يفيد ما يفيده قولنا: إن كل الخير هو ال بَ. فإن الأول يلتفت إلى الموضوعات الخير، وهذا يلتفت إلى طبيعة الخير نفسه. وهذا لا يفيد المساواة، وهذا يفيد المساواة. فيفيد أيضًا أن بَ مقول على كل ما يقال له الخير، بعدما أفاد أن كل الخير مقول على كل ما يقال له بَ. وهذه الفائدة غير مستفادة من المقول على الكل، بل المستفادة من المقول على الكل عموم المحمول لجميع ما يوصف بالموضوع فقط. فإن هذا هو المعنى المستفاد من القول على الكل. ليس المقول على الكل هو أن بَ المحمول على كل الأشياء التي يقال على كلها الموضوع، حتى إن كان شيئًا عليها بَ. ولا على كلها، لم يقل عليها المحمول، بل هو أعم من ذلك؛ وكذلك ليس المعنى المقول على الكل، أن يكون مقولًا على كل ما يوجد فيه بَ، حتى إن كان بَ يوجد في بعض الشيء، يكون ىَ مقولًا على كله، حتى يكون قولنا الحيوان، على كل إنسان، معناه الحيوان مقول على كل شيء يوجد فيه إنسان، فيكون مقولًا على جسم. فإن هذا ربما كان أخص مما يوجد فيه الإنسان، كما تحققته من هذا المثال. فإذ ليس معناه هذين، فكيف يكون معناه أمن الحيوان بكليته مقول على الإنسان؟ حتى يكون قولنا: اللذة هي الخير، وقولنا: كل لذة هي الخير، بمعنى واحد يوجه المقول على الكل في أحدهما؟ فإذن هذا يفيد بنفسه فائدة أخرى، وصلح أن يؤلف من مثله النحو من القياس المذكور، ولا يلزم الشك المذكور.
(ط) فصل
يجب أن تراعى في التحليل بسبب الشكل والاقتران وصورة المقدمات فلنقل الآن في أحوال التي تعوق عن التحليل بسبب شكل القياس وبسبب شكل المقدمة، أعني الذي ليس بسبب الحدود.