والمواضع المشتركة المذكورة في الخطابة وفي الجدل أكثر انتشارا بالجملة من الكلام الخطابي والجدلي مفردين ومجتمعين. وكثير من هذه المواضع بأعيناها يستعمل في الخلقيات والطبيعيات والسياسيات على اعتبار غير جدلي. إذ كانت هذه المواضع، مثل مواضع الأقل والأكثر، لا تختص بموضوعات بأعيناها، بل تعم كل موضوع. فتستعمل في الجدل والخطابة، وتستعمل أيضًا في الأقاويل المستعملة في الأمور العدلية، أي الفضائل الخلقية، وفي الأمور الطبيعية، وفي الأمور السياسية وما يجري مجراها، فلا تختص بواحد منها فقط، ولا تنسب الى جنس واحد؛ ولكن يكون لها من حيث تستعمل في الجدل نحو من الاعتبار، ومن حيث تستعمل في الخطابة نحو آخر من الاعتبار، ومن حيث تستعمل في الصنائع الثلث المذكورات بعد الجدل - مخصصا بها التخصيص الللائق بها - نحو آخر واستعمالها في الخطابة والجدل إنما هو من حيث العموم، ومن حيث لا يتناهى الذهن فيها الى شيء بعينه محدود من الموضوعات يخصصه بها. ولو حققت وفصلت ورددت الى الواجب، كان ذلك اختلاف علم سوى الجدل والخطابة، كما علمت في شرح أمر البرهان. ثم يختلف نحو استعمالها في الجدل وفي الخطابة، فيحتاج أن يعرف لها كل هذه الفصول، وأن تستخرج الأنواع والمواضع معدة نحو الخطابة بعينها، دون صنائع أخرى.
والأنواع: هي التي يختص نفعها في أمر جزئي من موضوعات الخطابة.
والمواضع: هي التي يشترك في الانتفاع بها جميع المواضع بالشركة.
تسعة فصول فصل
فيما يحاوله من إقناع والابتداء بمواضع المشوريات وأنواعها وأولها بالمشوريات في الأمور العظام إن المنازعة في كون شيء ولا كونه هي منازعة عامة لجميع الأنواع الخطابية. فإذا رجع إلى التفصيل والتخصيص، فأكثر أصناف المحاورات العامية في الأمور الجزئية يرجع إلى ما فيه خير أو شر. والجزئيات إما مستقبلة، وإما واقعة. ويبعد أن يقع للجمهور منازعة في جزئي مس - قبل واقع بالطبع والا - فاق. هل هو خير أو شر؟ فإن هذا النحو من النظر بأهل العلوم أولى. بل إن تنازعوا في هذا، تنازعوا وهم يشيرون بالتحرز عنه إن كان شرا، والتوقع له إن كان خيرا. وبالجملة: يلتفتون لفت أمر إرادي. وإذا كان كذلك، فالمنازعات التي يتفاوض فيها الخطباء، وتتعلق بأمور ممكنة في المستقبل إنما تقع ليشار بإرادتها واستصواب اختيارها، أو يشار باجتنابها على سبيل صد عنها، فتكون كلها مشاورية، إما آذنة، وإما مانعة حاجزة. وأما الأمور الواقعة من الخير أو الشر بالإنسان فلا يخلو إما أن يراد إثبات وجود هذا الخير أو هذا الشر له فقط. وهذه هي المفاوضة التي يمدح فيها أو يذم. وهذا فقد يكون في الحال، وقد يكون للماضي. ولكن الكلام في خير معدوم وشر معدوم مما يقل. وإنما يمدح ويذم في أكثر الأمر ما هو موجود خاص لنفسه أو حكمه، فيكون أولى الأزمنة لموضوعات هذه المفاوضة هو الزمان الحاضر. وإما أن يراد وجود هذا الخير من إنسان آخر بإرادته، أو وجود هذا الشر من إنسان آخر بإرادته. وهذا إما أن يكون الخطيب يفاوض إنسانا في أن خيرا وصل إليه منه، أو من إنسان آخر. وليس مع الاعتراف تشاجر وتنازع البتة. فقصارى ذلك محاورة في شكر ومشكور له. وإن كان هناك منازعة وتشاجر، فذلك على وجهين: لأنه إذا كان النزاع واقعا في أن خيرا وصل إليه من آخر، وأريد بذلك إثبات فضيلة الآخر، كان النزاع من باب المدح والذم. وإن لم يرد به ذلك، كانت المنازعة منازعة في أعم الوجوه وهو الإثبات والإبطال، ولم تكن منازعة خاصة. فإذا جعل يدل الخير شر، كانت المفاوضة جارية على سبيل شكاية واعتذار. فيكون الذي يدعى وصول الشر إما إلى نفسه أو إلى غيره شاكيا أو نائب شاك، والذي ينكر ذلك أو يجعله على وجه لا يكون شرا أو لا يكون قصدا فهو معتذر أو نائب معتذر. ولا شك أن الأمر الذي يشكي أو يعتذر عنه أمر ماض.
فإذا جميع المفاوضات الخطابية ثلثة: مشاورية، ومنافوية، ومشاجرية.
وكذلك السامعون ثلثة: خصم، وحاكم يحكم بإقناع أحدهما، وسامعون نظار. أما الحاكم في المستقبلات فيكون الرئيس المدير لأمر الجماعة؛ وأما في الواقعات فيكون كالمتوسط الموثوف بفحصه. وأما النظار فينظرون في قوة أحدهما وضعف الآخر، وليس إليهم غير ذلك الشيء.