وأما الكائنة عن المتساويات فهي التي يكون فيها المعنى علامة للشيء ولنقيضه جميعا. أقول: لكنه يكون علامة لأحدهما بنفسه من غير واسطة، ويكون علامة للنقيض بواسطة، أو يكون علامة للأمرين بواسطتين، أيهما سبق الى الذهن ميل الذهن إليه، ولا بد من تلويح أكثرية فيه لا بحسب الأمر في نفسه فقط، بل وبحسب الظن وبادي الرأي. فإنه ما لم تكن هناك أكثرية مظنونة، لم يكن ميل نفس البتة. وأما إذا أخذ المتساوي، من حيث هو متساو في الظن، لم يوجب تصديقا. ومثال ذلك قول القائل: فلان قائم على رأس زيد القتيل الطري منتضيا سيفه فهو قاتله، وقول الآخر: فلان قائم على رأس زيد القتيل الطري منتضيا سيفه فليس هو بقاتله. فالأول يعتمد مقدمة أكثرية: وهو أن القائم على رأس القتيل بسيف مسلول هو القاتل. وهذا يصدق في الأكثر ويكذب في الأقل. ويكون قد أخذ هذه المقدمة من حيث اعتبار نفسها. وأما الآخر فلم يأخذ المقدمة المقابلة لها من حيث اعتبار نفسها فقط، ولكن إما أن يكون القائل التفت الى عكسها وهو أن القاتل لا يقوم على رأس القتيل الطري سالا سيفه، وأكد ذلك أن مثل هذا القاتل يكون خائفا، والخائف ينفصل عن مقام الزلة بعجلة متقيا حلول النقمة به. وهذا كله أكثري. وأما أن يكون قد زاد في العلامة شيئًا، فقال: فلان قائم على زيد القتيل الطري المحقون دمه، المتقي للعقوبة سافكه، فتكون علامته غير العلامة الأولى. ولو فرضت العلامة هذه، كان ضمير المحتج الأول لا يقنع أو يصحبه شيء آخر، وهو أنه قد فوجيء قائما هناك غير مهمل للانفلات، أو أنه مني بانسداد المخالص عليه، فحينئذ تكون العلامة أيضًا أخرى. فإن قنع قانع بأنه قبل من غير هذه الشروط، فتكون هذه العلامة من شأنها، إذا انفردت، أن توقع تصديقا ما؛ ومن شأنها، إذا أخطر بالبال معها قرينة شرط، أوقعت مقابل ذلك. وأما إذا كانت من كل الجهات، ونسبتها الى الأمرين نسبة متساوية، فيبعد عندي أن يقنع بلا قرينة البتة في الشيء وفي نقيضه. اللهم في شخصين: ويكون في كل شخص خاص حال تستشعر يزول معها خلوص التساوي. ولهذا لم يتعرض المعلم الأول في هذا الموضع للمكن المتساوي. فليكن هذا أيضًا قسما، ولكن على الشرط المذكور، وليكن اقناعه بأكثرية ما مضمونة. وليفارق ذلك الأكثري الأولى بشهرة تلك الأكثرية ووضوحها.
فأصناف الضمائر إذا تسعة.
فأما المثالات فقد عرفتها، وليس فيها كثير اختلاف. إنما الاختلاف الكثير في أصناف الضمائر. وإنما تعظم المؤونة تفصيلها، فإنها أيضًا يختلف مأخذها كما في الجدل، فيصعب لذلك تفصيلها من حيث هي للخطابة نفسه، ويصعب تمييزها من قياسات خاصة بعلوم وصنائع وملكات أخرى قد حصل كثير منها، ويشبه أن يكون قد بقى منها صنائع وعلوم ولم تدرك بعد. والخطابة تشارك الجميع في الموضوع؛ فيحتاج أن يفصل بين القياسات التي تكون على حذو الخطابة منها، كما يحتاج أن يفصل ما يكون على حذو الجدل منها، ويفرق بين حكمه وبين حكم الخاص بمباديء الصناعة الذي ليس مألوفا عند الجمهور، ولا من مواضع مشتركة.