فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 781

وقد يتفق للإنسان أن ينبعث في غريزته حدٌّ مُوقِعٌ للتصور، وحجَّةٌ موقعة للتصديق، إلا أنَّ ذلك يكون شيئا غيَر صناعي، ولا يُؤْمَن غلطه في غيره؛ فإنه لو كانت الغريزة والقريحة في ذلك مما يكفينا طلب الصناعة، كما في كثير من الأمور، لكان لا يعرض من الاختلاف والتناقض في المذاهب ما عرض، ولكان الإنسان الواحد لا يناقض نفسه وقتا بعد وقت إذا اعتمد قريحته؛ بل الفطرة الإنسانية غيركافية في ذلك ما لم تكتسب الصناعة، كما أنها غير كافية في كثير من الأعمال الأخر، وإِنْ كان يقع له في بعضها إصابةٌ كَرَمْيةٍ من غير رام. وليس أيضا إذا حصلت له الصناعة بالمبلغ الذى للإنسان أن يحصل له منها كانت كافية من كل وجه، حتى لا يغلط ألبتة؛ إذ الصناعة قد يذهب عنها ويقع العدول عن استعمالها في كثير من الأحوال، لا أنَّ الصناعة في نفسها غير ضابطة، وغير صادَّةٍ عن الغلط، لكنه يعرض هناك أمور: أحدها من جهة أن يكون الصانع لم يستوف الصناعة بكمالها؛ والثاني أن يكون قد استوفاها، لكنه في بعض المواضع أهملها، واكتفى بالقريحة؛ والثالث أنه قد يعرض له كثيرا أن يعجز عن استعمالها، أو يذهب عنها. على أنه وإن كان كذلك، فإنَّ صاحب العلم، إذا كان صاحبَ الصناعة واستعملها، لم يكن ما يقع له من السهو مثل ما يقع لعادمها؛ ومع ذلك فإنه إذا عاود فعلا من أفعال صناعته مرارا كثيرا تَمَكَّن من تدارك إهمال، إن كان وقع منه فيه؛ لأن صاحب الصناعة، إذا أفسد عمله مرة أو مرارا، تمكن من الاستصلاح، إلا أن يكون متناهيا في البلادة؛ فإذا كان كذلك فلا يقع له السهو في مهمات صناعته التي تعينه المعاودة فيها، وإن وقع له سهو في نوافلها. وللإنسان في معتقداته أمور مهمة جدا، وأمور تليها في الاهتمام. فصاحب صناعة المنطق يتأتى له أن يجتهد في تأكيد الأمر في تلك المهمات بمراجعات عَرْض عمله على قانونه. والمراجعات الصناعية فقد يُبلغ بها أمان من الغلط، كمن يجمع تفاصيلَ حساب واحد مرارا للاستظهار، فتزول عنه الشبهة في عقد الجملة.

فهذه الصناعة لابد منها في استكمال الإنسان الذي لم يؤيد بخاصية تكفيه الكسب. ونسبة هذه الصناعة إلى الرويَّة الباطنة التي تسمى النطق الداخلي، كنسبة النحو إلى العبارة الظاهرة التي تسمى النطق الخارجي، وكنسبة العَرُوض إلى الشعر؛ لكن العروض ليس ينفع كثيرا في قرض الشعر، بل الذوق السليم يغنى عنه، والنحو العربي قد تغنى عنه أيضا الفطرة البدوية، وأما هذه الصناعة فلا غنى عنها للإنسان المكتسب للعلم بالنظر والرويَّة، إلا أن يكون إنسانا مؤيدا من عند الله،فتكون نسبته إلى المرويّن نسبة البدوي الى المتعربين.

ليس يمكن أن ينتقل الذهن من معنى واحد مفرد إلى تصديق شئ؛ فإنَّ ذلك المعنى ليس حكم وجوده وعدمه حكما واحدا في إيقاع ذلك التصديق؛ فإنه إن كان التصديق يقع، سواء فرض المعنى موجودا أو معدوما، فليس للمعنى مدخلٌ في إيقاع التصديق بوجه؛ لأن موقع التصديق هو علة التصديق، وليس يجوز أن يكون شئٌ علةً لشئ في حالتى عدمه ووجوده. فإذا لم يقع بالمفرد كفاية من غير تحصيل وجوده، أو عدمه في ذاته، أو في حاله، لم يكن مؤديا إلى التصديق بغيره؛ وإذا قرنت بالمعنى وجودا أو عدما فقد أضفت إليه معنى آخر. وأما التصور فإنه كثيرًا ما يقع بمعنى مفرد، وذلك كما سيتضح لك في موضعه، وذلك في قليل من الأشياء، ومع ذلك فهو في أكثر الأمر ناقص ردئ، بل الموقع للتصور في أكثر الأشياء معان مؤلفة، وكل تأليف فإنما يؤلف من أمور كثيرة، وكل أشياء كثيرة ففيها أشياء واحدة، ففي كل تأليف أشياء واحدة. والواحد في كل مركب هو الذي يسمى بسيطا، ولما كان الشئ المؤلف من عدة أشياء يستحيل أن تعرف طبيعته مع الجهل ببسائطه، فبالحرى أن يكون العلم بالمفردات قبل العلم بالمؤلفات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت