فنقول: إن المغالطة باشتراك المفهوم على وجوهه: فإنها إما أن تكون لأن السؤال يكون كثيرًا، وإما أن تكون للكثرة في النتيجة أيضًا. وتلك الكثرة يكون الحق في بعضها موجودا، وفي بعضها ليس بموجود، كما إذا سئل:"هل الساكت يتكلم؟"أو قيل:"هل الذي يريد يتعلم ليس يعلم؟"؛ فإن الأول يغلط في النتيجة، فينتج نتيجتين ولا يشعر باشتراكه، وهو مقدمة بعد. واما الثاني فإنه - وهو مقدمة بعد - لا يفهم إلا بتفصيل اشتراكه، فمن عداه عداه وهو غير مفهوم، إذ لابد له في أن يفهم من أن"يعلم"راجع إلى الشيء المعلوم أو العالم، حتى يمكنه أن يجيب عنه. ويشبه ذلك أيضًا قولهم:"أليس الذي تعلمه تعلمه، ولكن تعلم أن كل اثنين زوج، ولا تعلم اثنين في يدي". وفي جميع أشباه هذه يكون الخلف فيها بأن تنتج أن الشيء ليس هو؛ فإن الخلف على وجهين: خلف استحالته تتبين لا من جهة التناقض، كمن ينتج مثلا أن زوايا المثلث أكثر من قائمتين، والثاني خلف استحالته تتبين من جهة التناقض، كمن ينتج أن المثلث ليس بمثلث، أو أن الأعمى ليس بأعمى. فيجب إذن علينا إن شعرنا بديا باشتراك الاسم أن نكون تسلمنا محدودا مفصلا، بأن نقول للسائل:"إن عنيت كذا فجوابه كذا، وإن عنيت معنى آخر فليس جوابه كذا"، وأن تتعرض بالمنع لما هو ضار ومبدأ للمغالطة؛ وإن لم نشعر بديا تداركنا بعد ذلك فقلنا:"ليس الساكت يتكلم، بل لهذا الذي هو ساكت الآن أن يتكلم وقتا آخر"، فإنه ليس يلزما أن نجيب عن المهملة وهي مهملة، وعن المبهمة وهي مبهمة، وإن فعلنا فلما أن نشير إلى ما عنينا. وكذلك إذا قال:"أليس يعلم الذي يعلم"، فنقول: أعلم ما أعلم وليس أعلم جزئيات الذي أعلم، أو ليس يلزم أن أعلم أحوال الذي أعلمه.
والمغالطات التي من التركيب والتقسيم فلنا أن نحفظ الحكم في التركيب، ونمنعه في التقسيم. وبالعكس لنا ان نمنع الحكم في التركيب، ونحفظه في التقسيم، إذ المركب ليس هو المقسم. فيرجع الغلط في هذا الباب - إلى ما يقال - على نحوين من المرائيات بوجه ما، مثل المغالطة التي يكون المركب فيها مثل أن"مما نعلم أن يضرب زيد فبه يضرب"فيضرب إذن فيه بفعلك أو علمك. وهذا فيه أيضًا تضليل من جهة المراء. أما من جهة التركيب، فلأنه يسأل مثلا: ألست تعلم بما يضرب به زيد؟ فيقول: بلى. ثم يقول: أليس بذلك يضرب؟ فيقول: بلى. فيركب ويقول: فإذن بما تعلم أن زيدا يضرب، به يضرب. وأما من جهة المراء فلأن"به"ينصرف إلى موضعين: أحدهما آلة العلم، والثاني آلة الضرب. وربما كان القول صادقا إذا فصل عن الهيئات واللواحق، فإذا قرن بها صادق قل ما يغلط بالتركيب والمراء.
والذي ظن أن كل مغالطة فهي لفظية، وأن كل مغالطة لفظية فهي للاشتراك في الاسم، فلا يتأخر بيان خطئه إذا ما تأملنا هذه الأمثلة التي من باب المراء، ومن باب التركيب والتفصيل. مثل قولهم بالظرف الذي يضرب؛ على أن موضع الذي يضرب في لغة العرب النصب، لأنه مفعول به، وعلى أنه الجر لأنه بعد الظرف؛ وهذا من باب المراء. وكذلك: نعلم أن السفن التي لها ثلاث سكانات التي تكون بأسقلية الآن، فإن"الآن"تتصل تارة بالعلم، وتارة بالسفن.