فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 781

وهذا الاعتبار لا يكون في المستقيم، لان المستقيم لا يقصد فيه إنتاج كذب من وضع شئ مناقض للمطلوب؛ بل يساق إلى المطلوب. وإذا منع، قيل: إن في القياس مقدمة كاذبة، أو ليس تأليفه منتجا. ولم يقل: انه لم يعرض الكذب من قبل وضع كذا لأنه لم يبن على أن هناك كذبا عارضا، بل هذا في الخلف إذا كان نقيض الموضوع، سواء وضع أو رفع لا يغير حكم اللازم من الكذب ولا يكون سببا لإنتاج المحال، فلا يلزم أن يكون محالا. وهذا على وجوه: إما أن تكون الحدود التي للمحال ولقياسه، غير مشاركة لنقيض الموضوع البتة؛ وإما أن تكون مشاركة، ولكن المحال لزم عن شئ آخر. مثال الأول: لو أن أحدا أراد أن يبين أن القطر غير مشارك للضلع، فاستعمل فيه قياس"زينن"في أن لا حركة، ثم قال: وهذا محال، ثم قال: فإذن القطر غير مشارك للضلع. وهذا القسم من اخذ ما ليس بسبب سببا، هو اظهر ما في هذا الباب. وأما مثال الذي يأخذ في المحال أو قياسه حدود تشارك وتتصل بحدود النقض، فمثل أن يقول: ليس كل بَ آ، وإلا فليكن كل بَ آ، وليكن كل دَ ج، وكل ج ب، وكل بَ آ. فإذن كل دَ بَ. هذا خلف. فإذن ليس كل بَ آ. فهذا قد وضع فيه ما ليس بسبب سببا. لان قولنا: كل دَ بَ، يكون نتيجة عن مقدمتيه، وان لم يقل: كل بَ آ. وأيضا ن الجانب الأخر بان يقول كل بَ آ، وكل آ ج، وكل ج دَ. فكل آ دَ. وهذا خلف. فان هذا أيضا وضع ما ليس بسبب سببا. وذلك لان قولنا: كل بَ آ، وان رفع، بقى القياس المنتج للخلف؛ بل يجب أن تكون حدود المحال وحدود قياسه وحدود المطلوب متصلة، وتكون مع ذلك بحيث إذا رفع النقيض لم يلزم محال، بل يكون المحال إنما يلزم لوضعه لا غير. فيكون القياس المركب متصل التركيب، لا حشو فيه، وليس قياسات مختلفة لا وصلة بينها. فان الكذب لا يمكن أن يجتمع عن قياسات كثيرة لا تتصل اتصالا تصير به كقياس واحد، فإنها إذا اجتمعت ولم تتصل أما أن يكون الكذب لازما عن واحد منها، وان رفع البواقى الباقيان لا يلزم عنها شئ بالشركة. وان كذبت نتائجها كلها أيضا، لم ينفع بجمعها في إبطال شئ أو إثباته، مثل قياسات مختلفة، على أن المتوازية تلتقي، وان المثلث زواياه أعظم من قائمتين، وغير ذلك. فان جميع أصناف نتائج كاذبة، لا تتصل قياساتها، لا يلزم منه شئ على الوجه الذي يلزم في قياس الخلف.

(ص) فصل

إن القياس قد يستعمل في العلوم، وقد يستعمل في الجدل. والذي يستعمل في العلوم فيستعمل على ما عليه الأمر في نفسه، والذي يستعمل في الجدل يستعمل على ما هو مشهور أو متسلم. وان عوسر في المشهور لم ينتفع به في الجدل. فعمدة المقدمة في المحاورة الجدلية أن تكون على سبيل التسليم، والتسليم يكون بالمسألة، والمسألة في الموضوع كأنها هي المقدمة. وإنما تباين بهيئة تلحق المسألة تنحرف بها عن هيئة المقدمة. وقد يقال لها أيضا مسألة إذا كانت متسلمة عن سؤال. ولما كان الجدل إنما يحاول الإلزام والتبكيت، اعني القياس على نقيض ما ينصره المجيب، وليس غرض الجدلي من حيث هو جدلي، الحق؛ فلا بأس أن يحاول السائل في تركيب القياس الجدلي حيلا يكون استعمالها مقر بالمسافة من الغرض؛ وان يعتمد المجيب، الذي يورد للسائل القياس على مقابل ما ينصره حيلا يتحرز بها عند احتياجه إلى الإجابة عن مسألة مسألة، من أن يلحقه نقض وتبكيت؛ ويجتهد في منع القياس أصلا، آو منع القياس على مقابل ما ينصره.

ولنعد هنا أصولا يختص نفعها بمن يستعمل القياس، أو يستعمل عليه وهو عارف بصورة القياس. ولان المسالة الجدلية على وجهين: فإنها أما أن تكون عن مقدمات قياس مع نتيجة، كقولك: أليس إذا كان كل بَ ج، وكل ج دَ، كان كل بَ دَ. فهذا لا حيلة فيه إلا تسليم أو إنكار مقدمة أو ادعاء أن القياس غير منتج. وأما أن يكون السؤال عن مقدمة ليجمع منها آخر الأمر القياس وتنتج النتيجة. فيكون فيه التحفظ على وجهين: أحدهما عند تسليم مقدمة. والأخر عند اجتماعها لئلا يؤلف قياسا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت