وأما الحق فإنه يجب فيه أن تتذكر ما قيل لك في جنسية الأمور المشتق أسماؤها من أعراض. وأما في حكم الجدل، فغن ما هو أضعف دلالة من هذا - وإنما قصاراه أنه من اللوازم التي لا تنعكس - قد يوجد جنسا في المشهور، فيجعل المنقسم جنسا للعدد، والصحو لإقلاع المطر، إذ كان كل واحد منهما لازما غير منعكس عليه. ولا يبعد أن يجعل ما نحن فيه جنسا لما تحته. وهذا المشهور يعاند أيضًا في المشهور بأن كل متكون فيلزمه أنه شيء يجب أن يكون معدوما وقتا ما؛ وليس المعدوم وقتا ما، والغير الموجود، جنسا لشيء البتة.
تمت المقالة الثالثة
ثلاثة فصول في مواضع الخاصة
فصل (أ)
ولنبحث الآن عن المواضع المذكورة للخاصة على أنها أعم من الخاصة المفردة والمركبة والرسم. وقد نفرق لك بيم ما ذكرناه عن قريب. وعلى أن الخاصة هي على ما عرفته من أقسامها، وان التي تقاس بالقياس، أو تقال غير دائمة، فمواضعها مواضع العرض. والذي نبحث هاهنا عن مواضعها، فهي الدائمة المتساوية التي يعرف بها المجهول. فمن المواضع المعدة نحو الخاصة مواضع تشترك في اعتبار واحد، وهو أنه هل وضعت الخاصة جيدة، معتبرا فيها الجودة، غير ملتفت فيها إلى الكذب والصدق؛ وهو اعتبار انه هل وقع التعريف بالخاصة تعريفا بما هو أعرف أو ليس، إذ كانت الخاصة التي نحن في ذكرها تذكر ليعرف الشيء، وما ليس معروفا عندما الشيء مجهول، فلا يعرف به الشيء؛ وكل ما هو معروف عندما الشيء مجهول، فهو اعرف من الشيء.
فموضع من تلك المواضع أن يكون الشيء المعروف به المر على أنه خاصة هو أخفى من الشيء نفسه. فإن كان موجودا للشيء، وليس يتعرف بالشيء، مثل أن يقول قائل: إن النار جرم يشبه النفس لطافة؛ ثم النفس وغن كانت لا تعرف بالنار بقوة ولا بفعل فإنها أخفى من النار.
وموضع آخر أن يكون وجود الخاصة للمخصوص أخفى من معرفة ذات المخصوص مثل من يعرف النار أو الحار بأنه الذي تتعلق به النفس أولا. وتصديقنا بتعلق النفس بالنار أخفى من تصورنا للنار. والفرق بين هذا الموضع والأول، أن الأول كان الأخفى فيه هو تصور من تصور، وهاهنا تصديق من تصور. وهذان موضعان تعليميان أيضًا، وللإبطال. وأما للإثبات فلا يكون إلا أن يكون إلا ان يكون بعد أن صحت المساواة في الانعكاس قد بان أنها اعرف من الوجهين جميعا، أعني التصديق والتصور، فتنفع في الإثبات.
ويجب ان تعلم أن من الخاصة ما هو اعرف بالذات من المخصوص، كالحركة إلى فوق، والإضاءة، فإنها أعرف بالذات من طبيعة النار الحقيقية بالقياس إلى أوهامنا. ومنه ما صار أعرف بالنظر، مثل كون الزاوية الخارجة أعظم من كل واحدة من الداخلتين المتقابلتين، فإنها خاصة لمتساوي الزوايا لقائمتين، وأعرف منها، وبها تعرف. ومنها ما ليس أعرف منه، ولكن قد عرف بالنظر أنه يخصه، مثل كون الزوايا مساوية لقائمتين في الشكل المثلث، فإذا أوردت دلت على الشيء. والأحب إلى أن يخص من جملة هذه باسم الرسم ما كان يعرف ما هو أخفى منه، إما في معناه وذلك ظاهر، وإما بحسب اسمه، حتى يكون إذا ذكر لم يفهم، فيدل على مفهوم بالخاصة وإن كان معنى الاسم سابقا إلى التصور وأسبق من الرسم. ومثال هذا أنه إذا قيل:"مثلث"، فلم يفهم، فعرف بأنه شكل زواياه مساوية لقائمتين، ففهم حينئذ، كان هذا القول رسما، وإن كان تصور حد المثلث أسبق من وجود هذه الخاصة؛ لكنه إذا كان الأمر من حيث دلالة الاسم عليه في هذا الموضع مجهولا، فيدل على المعلوم من حده أو المتصور منه على وجه من الوجوه. فهذه الخاصة تفهم حينئذ معنى الاسم، فهذا رسم. وإن كان معنى الاسم معلوما، فلا يغنى هذا المعنى غناء الرسم؛ لأن الرسم إنما يحتاج إليه لتعريف المجهول لا من أمر ذاتي، ولكن بعلامة. إلا أن إعطاء هذا له يكون إعلاما للخاصة ليعرف أنه له هذه الخاصة، لا لن يعرف بها ذاته بالعلامة. والفرق بين إعطاء الخاصة وبين تعريف الذات ظاهر، فإن التعريف للمجهول، والخاصة إنما يعطاها المعلوم، ويبين وجودها للمعلوم فهذا موضع فرق بين الخاصة المركبة وبين الرسم.