فهرس الكتاب

الصفحة 710 من 781

لكن الكلام في المدح والمشورة نوع جديد، أي غير ما قلناه مما هو خاص أو مما قد اعتبر خاصا بكل واحد منهما، بل شيئًا يعمهما وغيرهما من الأمور الخطابية. وذلك أن من الذي نمدح به الممدوح أشياء قد يشار بها على المشار عليه. وبالعكس. فإنه كما يقول المشير: ينبغي أن لا تستنيم إلى السعادة الاتفاقية، بل أن تستنيم إلى ما تيسر لك من المآثر المكتسبة بالمشيئة، ويكون هذا مشورة على سبيل تفويض وإطلاق؛ إذا كذلك يقول المادح في الممدوح: إنه هو الذي حاز المحاسن بسعيه، ليس الذي اتفق له من أسبابها ما أتته منها حظا غير موثوق به. فإذا أردت أن تمدح، فيلزمك أن تتأمل ما تمدح به. فإذا كانت المشوريات تتشاد في أمور، فيمنع عن بعضها ويطلق بعضها، فالذي لو أشرت لأطلقت الإذن فيه ورأيته المستصلح من الأمرين للتقرب بالمشورة به، فهو المستصلح للمدح. فانتقل من المشورة إلى المدح، ومن المدح إلى المشورة. وينبغي أن يؤكد أمر المدح، وكذلك أمر المشورة، بالألفاظ المعظمة المفخمة، كما يقال: إنه هو نسيج وحده في كذا، وإنه قريع عصره فيه، وإنه وحده فعل، وأول من سن، وأسرع من فعل مثل فعله، وأكثر من فعل مثله فعلا، وفعل في زمان يعسر فيه فعل مثله، وإنه صار قدوة لغيره، وأقام غيره لمن سواه، وأصبح مزجره عن الفحشاء والمنكر أمة يؤتسي به في الجميل شهرة عند الناس والجمهور، وخصوصا إذا كان فعل ذلك بقصده. ويقال في كل شيء من ذلك ما يشاكل. وكذلك يقال: إنه فعل كذا لا كفلان الذي قصر عنه، بل كفلان الذي وفق له. وليس كل إنسان مليئا بالمقايسة بينه وبين غيره. فإن أكثر الناس يستفضل نفسه على غيره في فضله، ويستهين رذيلته وعيبه الذي لو كان في أخيه استكثره. وعلى ما يقال: إن المرء ليعمى عن الجذع يعترض في حدقته، ويلمح قذاة في عين صاحبه. وليس كل إنسان مثل سقراط الذي كان يعتبر نفسه من غيره في مجاري أخلاقه، فيعاقب نفسه إذا تشبهت بالأراذل، ويثيبها إذا تشبهت بالأخيار. ومن المحمود أن يجتهد في التشبه. فإن المجتهد كالحاصل في تخوم الفضائل.

فبهذه الأشياء يكون التعظيم. والتعظيم يدل على زيادة في الشرف. والزيادة في الشرف شرف مفرد. والشرف المفرد ممدحة خاصة. وبالجملة: فإن التعظيم والتفخيم أشد مشاكلة للمدح وأما الدلالات والبرهانات فأشد مشاكلة للمشورة. لأن الممادح بالحاضرات، وأكثر الحاضرات مقربها، وقلما يطلب دليل عليها واما المشوريات فبالمعدومات الغائبة. وتمس الحاجة إلى تصحيح الغائب بالحجة وضرب الأمثال مما كان لما سيكون أشد من مسها إلى تصحيح الحاضر. وأما الكلام الذي هو فصل القضاء، وهو استيضاح صحة الحجة، فاللحاكم، لأن الحاكم ينبغي أن يورد الفصل الذي لا مطعن عليه. وضرب الأمثال من الأمور المستقبلة والماضية أوقع عند الجمهور في المشورة من غيره، لأنه أمر قد كان ودرس وبقي ذكره. وللتذكير تأثير أكثر من المشاهدة، لأن التذكير كأنه أقرب إلى الأمر العقلي الذي يختص بذوي الألباب، والمشاهدة إلى الأمر الحسي الذي يشترك فيه الخاص والعام. وقد تستنبط الممادح من المذام، والصواب في المشورة من الخطأ فيها.

فصل

وأما القول في الشكاية والاعتذار فقد حان أن ننتقل إليه، ونحدد القياسات المشاجرية، وأن نبين الأمور التي يجور لأجلها، فتؤخذ منها مقدمات في أنه لما كان الفاعل كذا أقدم على الجور، والأمور التي يعرض بها الإنسان لأن يجار عليه، فتؤخذ منها مقدمات في أنه لما كان المفعول به كذا أقدم بالجور عليه، والغايات التي كان يجار لأجلها الجور، والأمور التي هي في أنفسها جور. وقبل ذلك ينبغي أن نحدد الجور، فنقول: إن الجور إضرار يقع بالقصد والمشيئة متعد فيه الرخصة الشرعية.

والشريعة والسنة: إما خاصة مكتوبة بحسب شارع شارع، وبلاد بلاد، وأزمنة أزمنة وإما عامة غير مكتوبة، لكن أكثر الناس وجلهم يعتقدونها، ويرونها. وربما تخالفا: مثل إيثار أرذل الأولاد بالتحلي، فإنه يصح في السنة المكتوبة، إذا وقع من المؤثر في وقت الصحة، ويمنع عنه في السنة الغير المكتوبة. والقضاء المر مبني على السنة المكتوبة، والوساطة على السنة للغير المكتوبة، والحسية على أقرب السنتين من مصلحة الوقت مشوبة بسنة الملك، وهو السياسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت