فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 781

وليس يعجبني قول من يقول: إن قوله اضطرارا، ليفرق بين القياس وبين الاستقراء والمثال. وذلك أن تلك لا يلزم عنها شيء، لا دائما ولا غير دائم. فإن مقدمات الاستقراء إذا سلمت لا يلزم عنها شيء البتة، ولا المثال إذا سلم. لكن المثال الذي أوردناه، إذا سلمت المقدمات التي فيه، لزم عنه الشيء بشرط في المادة، وليس اضطرارا عن هيئة الصورة التي للتأليف. فتكون القرائن الغير منتجة يلزم عنها أشياء في مواد لها حال وشرط، ولا يلزم في غيرها من المواد؛ فيكون قد يلزم عنها شيء ولكن لا دائما. والاستقراء والتمثيل لا يلزمن منهما في مادة من المواد شيء البتة، حتى يكون يلزمن عنها شيء، ولكن اضطرارا، أي ليس دائما كما ظنوا .

(ز) فصل

لكن قد يلحق هذا الذي قيل شكوك: منها إن اللوازم قد لا تكون اضطرارية، بل تكون ممكنة، ويكون القياس قياسا. ومنها أن القياسات الجدلية قياسات، وليس ما يلزم عنها يلزم بالضرورة، بل في غالب الظن. والخطابيات ليس ما يلزم عنها اضطرارا. وأيضا فإن القياسات الشرطية قد تكون النتيجة فيها شيئا مما في المقدمات. فإنك إذا قلت: إن كانت الشمي طالعة فالنهار إذن موجود، فيكون اللازم مما وضع في المقدمات، وقد جعلت القياس الشرطي داخلا في هذا الحد. وكذلك إذا قلت: إما أن تكون الحركة موجودة أو لا تكون موجودة، لكن الحركة موجودة، فينج نقيض التالي وهو عين المقول في الاستثناء؛ وذلك لأنك إذا قلت: إن الحركة موجودة، أنتج"فالحركة موجودة. وأشنع من هذا مثال آخر: إنه إن كانت الحركة موجودة، فالحركة موجودة، لكن الحركة موجودة، فالحركة موجودة. وقالوا أيضا: إن ههنا مقاييس توجب النتيجة عن قول واحد كقول القائل: فلان يتحرك، فهو إذن حي، ولما كان عبد الله يكتب، فهو إذن يحرك يده."

فأما الشك الأول فينحل بأن يتذكر ما قلناه: إنه ليس معنى قلنا: يلزم اضطراريا، أن اللازم في نفسه يكون وقلا اضطراريا؛ بل إن لزومه عن القياس يكون اضطرارا، وإن كان في نفسه كذبا، أو حقا ضروريا، أو ممكنا غير ضروري. فإن الباطل والممكن قد يلزم اضطرارا عن شيء إذا سلم، ويكون في نفسه غير اضطراري.

وأما الشك الثاني فقد قيل: إنه عني باللازم ما كان لازما بالحقيقة، أو على سبيل الإقناع. وليس كذلك، فإن اللازم عني به المفهوم من اللازم حقيقة لا مجازا. ومع ذلك فإن الشك منحل، لأن ما كان من القياسات الجدلية وغيرها قياسات فإن ما فيها إذا سلم لزم عنه النتيجة اضطرارا، إنما يكون مشكوكا فيها، لأن تلك المقدمات يكون مشكوكا في أمرها. فأما كون القياس قولا إذا سلم ما فيه لزم اللازم اضطرارا، فهو أمر مشترك للجميع.

وأما الشك الثالث فينحل بأن يعرف قوله:"لزم عنها غيرها"معناه غير المسلمات. والمسلمات هي التي يكون فيها صدق أو كب. ولم يكن قولنا:"فالنهار موجود"مسلما في نفسه، أو متعرضا لأن يكون في نفسه حقا أو باطلا؛ بل كان المسلم شيئا هو جزء منه. فإن قولنا: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، هو بجملته مسلم واحد، ولا تسليم فيه لأحد جزئين الآن، فربما كان كل واحد منهما غير مسلم لو انفرد. حتى إذا قلت: إن كان الإنسان حجرا فهو جماد، ولا واحد من هذين بمسلم، والمقدمة مسلمة، لأن التسليم ههنا يتناول حال النسبة بين القولين، كما أن الصدق يتناوله؛ فإن لفظ الشرط والجزاء قد حرف القضيتين عن أن يكونا قضيتين، ويكون فيهما صدق أو كذب، ووضع أو تسليم. ولذلك إذا قلت: إن كانت الشمس طالعة، لم يكن لا صدق ولا كذب. وكذلك إذا قلت: فيكون النهار موجودا، مع الفاء وحرف الجزاء، لم يزكن صدقا ولا كذبا، فلم يكن شيء منهما مسلما أو غير مسلم. وإن كان إذا أفردت كل واحد منهما كان صدقا أو كذبا، وأعرض لتسليم أو غير تسليم. وكذلك إذا قلت: هذا إما كذا وإما كذا، صار الصدق المسلم هو جملة غير الأجزاء. فإذن النتيجة غير الأمور المسلمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت