فهرس الكتاب

الصفحة 634 من 781

وأما في هذا الكتاب، فقد عددنا لك المواضع في الحد، وأولاها ما تكون المواضع جدلية، وأكثرها تمكينا إيانا من التصرف، وهو مواضع التصاريف والأقل والأكثر وسائر المشتركات. وأما ما عدا ذلك فيقل عدد مواضع نفعها، وإن كانت أصح نفعا، ومع ذلك تدعو إلى نظر أدق من الجدل المعد للجمهور.

وأما أن أي المسائل أسهل إثباتا، وأيهما أسهل إبطالا، وضد ذلك، وأي المحمولات الخمسة أسهل إبطالا وإثباتا، فيجب أن تعلمه من الأصول التي يلفت في هذا الفن، والفنون التي قبله.

تمت المقالة السادسة

أربعة فصول

فصل (أ)

إنا أول ما شرعنا في تعليم الجدل عرفنا حده وموضوعاته، أعني مقدماته الخاصة به، وعرفنا الآلات التي ينبغي أن تكون للجدل، وعرفنا المواضع المعدة نحو الإثبات والإبطال، فبقى علينا أن نعرف كيفية الاستعمال لما يلف إعداده وتعليمه. وقد عرفت حال السائل الجدلي والمجيب الجدلي، والفرق بينهما، وعرفت أن عمدة المجادلة هو السؤال، وعليه يبنى الجواب. فلنقدم وصايا السائل، فنقول: إن عمدة الأمور التي يجب أن تلتئم للسائل ثلاثة؛ أما المسألة التي بها الجدال فهي شيء خارج منها، وهي كالعرض، والجدل نحو المشار إليه، فلذلك ليست المسألة جزءا من الجدل؛ وهذا قد عرفته. لكن أول الثلاثة أن يكون قد أعد الموضع الذي منه يأخذ المقدمة لقياسه. والثاني أن يكون قد رتب في نفسه كيفية التوسل إلى تسلمها، وكيفية التشنيع على منكرها، إن أنكرت عليه؛ وهذان مما ينبغي أن يكون قد سبق إعداده إياه مع نفسه. والثالث هو التصريح بالمعد في النفس مخاطبة به للغير.

والوجه الأول من الوجوه الثلاثة يشارك الفيلسوف فيه الجدلي؛ وذلك لأن الفيلسوف لابد له من موضع يأخذ منه مقدمات ما يصححه. والوجهان الآخران يخصان الجدلي، إذ لا حاجة للفيلسوف إلى تسليم شيء، فإنه يأخذ المقدمات من حيث هي حق، لا من حيث هي متسلمة، ولا النظر الحكمي متعلق بالمخاطبة وبالجهاد فيها، فلا يبالي في الخطاب التعليمي أن لا تسلم مقدمة بعد أن تكون المقدمات مناسبة للمطلوب قريبة منه، توجبه، ولا يحتاج فيه إلى أن يخفي قربها من النتيجة الحاجة التي للسائل الجدلي، فإنه يجتهد أن لا يفطن المجيب لما يلزم من تلك المقدمات لئلا يتعسر في تسليمها، بل يروم إخفاء قربها من النتيجة، ويرى أنها بعيدة عنه جدا. والفيلسوف يروم ضد ذلك. وكلما كانت المقدمات أقرب من النتيجة كانت إليه آثر.

وجميع القضايا التي يوردها الجدلي قسمان: ضرورية، وغير ضرورية. فالمقدمات الضرورية هي الداخلة في نفس القول الموجب للمطلوب، قياسا كان أو استقراء. وأما ما ليس بضروري، فإنما يورد لأغراض أربعة، وهي: الاستظهار في الاستقراء والقسمة، والاستظهار في تفخيم القول، والاجتهاد في إخفاء النتيجة، والتكلف لإيضاح القول.

ولقائل أن يقول: إن كان الاستقراء جدليا، كان قولا يعد لا محالة نحو المطلوب وكان ما يصححه داخلا في الضروري؛ وكذلك القسمة، فأنها تستعمل في المقاييس المنفصلة. وكيف عددتم الاستقراء والقسمة فيما ليس بضروري؟ فنقول: إن الاستقراء قد يستعمل في الجدل على وجوه ثلاثة: أحدهما في أن يصحح منه المطلوب نفسه.

والثاني أن يصحح به المقدمات الضرورية في المطلوب.

والثالث للاستظهار، وهو أن تكون المقدمات الضرورية لم يجحدها المخاطب، فيحتاج أن يصححها، بل هي غير بعيدة من أن يسلمها الخصم إذا ظهر من أحوالها أنها محمودة أو مسلمة، وأن إنكارها شنيع بعيد عن المحمود، فإذا سئل عنها مع الاستقراء فقيل مثلا: أليس الإنسان وما يجري مجراه فلان وفلان، وهو يفعل كذا وكذا، أو يسأل عن عبارة أخرى تناسب هذا الغرض، كان التسليم حينئذ أولى أن يقع، فيكون هذا النوع من الاستقراء لم تحوج إليه بعد ضرورة تلجئه إليه، بل أوردت استظهارا.

وأما المقدمات التي يصحح بها استقراء على المطلوب، أو على ضروري في المطلوب، فمقدماته ضرورية، اللهم إلا أن يكون في عدد ما ذكر كفاية، وقد استظهر بعد جزئيات أخرى لو لم يعدها حصل الغرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت