فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 781

وأما النظر في حال الاتفاق والتواطؤ، وما على موضوع، وغير ذلك فكان محتاجًا تقديمه على المقولات، إذ كان لا بد من استعمالها في تعليم المقولات، ولم يكن في المشهور لها معان معلومة أو متخيلة بوجه.

فليكفنا ما قلناه في أمر فاطيغورياس، فإن الزيادة على ذلك فضل، ولا يبعد أن يكون القدر الذى أوردناه أيضًا فضلًا.

( آخر الفن الثانى من الجملة الأولى من المنطق ) 352 114 /العبارة

من الفن الثالث من الجملة الأولى في المنطق وهى عشرة فصول

(أ) فصل

إن الإنسان قد أوتى قوة حسية ترتسم فيها صور الأمور الخارجية، وتتأدى عنها إلى النفس فترتسم فيها ارتسامًا ثانيًا ثابتًا، وإن غاب عن الحس. ثم ربما ارتسم بعد ذلك في النفس أمور على نحو ما أداه الحس؛ فإما أن تكون هى المرتسمات في الحس، ولكنها انقلبت عن هيئاتها المحسوسة إلى التجريد، أو تكون قد ارتسمت من جَنْبَةٍ أخرى لا حاجة في المنطق إلى بيانها. فللأمور وجود في الأعيان ووجودٌ في النفس يكوّن آثارًا في النفس. ولما كانت الطبيعة الإنسانية محتاجةً إلى المحاورة لاضطرارها إلى المشاركة والمجاورةُ، انبعثت إلى اختراع شىء يتوصلَّ به إلى ذلك، ولم يكن أخفَّ من أن يكون فعلا، ولم يكن أخفَّ من أن يكون بالتصويت، وخصوصًا والصوت لا يثبت ولا يستقر ولا يزدحم، فتكون فيه مع خفته فائدة وجود الإعلام به مع فائدة انمحائه، إذ كان مستغنيًا عن الدلالة به زوال الحاجة عنه، أو كان يتصوَّر بدلالته بعده، فمالت الطبيعة إلى استعمال الصوت، وَوُفِّقتْ من عند الخالق بآلات تقطيع الحروف وتركيبها معًا ليُدَلَّ بها على ما في النفس من أثر.

ثم وقع اضطرارٌ ثان إلى إعلام الغائبين من الموجودين في الزمان أو من المستقبلين إعلامًا بتدوين ما عُلم، إما لينضاف إليه ما يُعلم في المستقبل فتكمل المصلحة أو الحكمة الإنسانية بالتشارك فإن أكثر الصنائع إنما تمّت بتلاحق الأفكار فيها والاستنباطات من قوانينها واقتفاء المتأخر بالمتقدم وافتدائه به، أو لينتفع به الآتون من بعد. وإن لم يحتج إلى ما يضاف إليه فيكمل به، فاحتيج إلى ضرب آخر من الإعلام غير النطق، فاخترعت أشكال الكتابة، وكله بهداية إلهلية وإلهام إلهى، فما يخرج بالصوت يدل على ما في النفس، وهى التى تُسمَّى آثارًا. والتى في النفس تدل على الأمور وهى التى تسمى معانى، أى مقاصدَ للنفس. كما أن الآثار أيضًا بالقياس إلى الألفاظ معان. والكتابة تدل على اللفظ إذ يُحاذَى بها تركيبُ اللفظ؛ واختير ذلك للسهولة، وإن كان إلى إنشائها بحيث لا يُحاذَى بها اللفظ وأجزاؤه سبيل، لكن ذلك مما يصعب ويطول.

وسواء كان اللفظ أمرًا ملهما وموحىّ به عُلَّمه من عند الله تعالى معلمٌ أول، أو كان الطبع قد انبعث في تخصيص معنى بصوت هو أليق به، كما سُمِّيت القطا قطا بصوتها؛ أو كان قوم اجتمعوا فاصطلحوا اصطلاحًا، أو كان شىء من هذا قد سبق فاستحال يسيرًا يسيرًا إلى غيره من حيث لم يشعر به، أو كان بعض الألفاظ حصل على جهة والبعضُ الآخر على جهة أخرى، فإنها إنما تدل بالتواطؤ، أعنى أنه ليس يلزم أحدًا من الناس أن يجعل لفظًا من الألفاظ موقوفًا على معنى من المعانى ولا طبيعة الناس تحملهم عليه، بل قد واطأ تاليهم أولهم على ذلك وسالمه عليه، بحيث لو توهمنا الأول اتفق له أن استعمل بدل ما استعمله لفظًا آخر موروثًا أو مخترعًا اخترعه اختراعًا ولقنّه الثانى، لكان حكم استعماله فيه كحكمه في هذا، وحتى لو كان معلِّم أول علم الناس هذه الألفاظ؛ وإنما صارت إليه من عند الله تعالى وبوضعٍ منه أو على وجهٍ آخر، كيف شئتِ، لكان يجوز أن يكون الأمر في الدلالة بها بخلاف ما صار إليه لو وضعه، وكان الغنَاء هذا الغناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت