أعلم أنه ليس بناء الخطابة على السؤال عن المقدمات. وقد عرفناك هذا فيما سلف. ولكن للسؤال فيها أيضا مواضع نافعة. فمن ذلك: السؤال عن الشيء الذي إن أجيب فيه بنعم، لزم الخصم شيء في خاص ما يقوله. وإن أجيب بلا، كان ذلك، أو ما يلزم عنه، عند السامعين قبيحا، مستنكرا. أو بالعكس. والثالث: أن يكون القائل واثقا أنه لا يجيب إلا بطرف، وأن ذلك الطرف نفس الضمير الذي ينتج المطلوب، كقولهم: أليس دخل الدار بغير إذن، وفقد مع دخوله المتاع؟ حين يعلم المخاطب أن الآخر يعترف به، ويسلمه، وكما يجيب بنعم تؤخذ عليه، فينتج أنه إذا لص. والأول يفارق هذا بأن ذلك الجواب تلزمه شنعة، وهذا يلزمه المطلوب. وهذا نافع حيث لا يمكن المتكلم إثبات الشيء إلا بتقرير الخصم به. وأيضا إذا وثق بأنه يجيب جوابا فيه تناقض، فيعجب من بلهه. وأيضا إذا كان السؤال ذا وجوه، ومن حق المجيب أن يفصل تفصيلا طويلا. فإذا سئل ولم يفصل، ألزم؛ وإن مال إلى التفصيل والتطويل، أمل وأوهم أنه، أي المجيب، قد تبلد وتشوش. فإن الجمهور لا يفطنون للتفصيلات، إنما يقنعهم من الجواب ما كان جزما، وفصلا"بنعم"أو"لا". فإذا ابتلى المجيب عند الدهماء بمثل هذا فاختصر وأجاب بلا تفصيل، قطع. وإن أخذ يفصل، أوهم أنه يتعلق بحواشي الكلام والهذيان، وقد ضاق عليه المجال. والمسائل الخطابية أيضا قد تكون مهملات. والحق يوجب أن يتوقف في أمر المهمل. والتوقف يوهم الاحتيال للتخلص عن الإلزام. ويجب أن لا يكون السؤال المقصود قريبا من الابتداء، وعلى ما قيل في طوبيقا. وأما الجواب فيجب أن يتحرى فيه مقابلة أغراض السائل، وسائر ما قيل في طوبيقا. ويجب أن لا يسئل عن النتيجة، ولا عما بعد النتيجة، للعلة المذكورة في طوبيقا.
وقد يستعان بالهزل، في أوقات الضرورة، وبالمزاح. وقد قيل في موضع آخر في المزاح، وإن الذي يليق بالكريم منه غير الذي يليق بالخسيس. وإن الذي يليق بالكريم منه بالتعريض، وهو تكمين المعنى، دون التصريح. ويجب أن يكون مشيرا به إلى تفضيل نفسه، وتخسيس خصمه، واستدراج السامع.
وأما المواضع والأنواع، والتعظيم والتصغير، والألميات، والخلقيات، وأجزاء الخطبة، والمقاومات فقد علمتها مما سلف في هذا الكتاب. والذي يليق بآخر الخطبة، وهو الخاتمة، وأن يكون مفصلا غير مخلوط بما قبله، مثل الصدر، وخصوصًا في المشوريات، وهو أن يقول: هذا هو الذي قلته، وسمعتموه. والحكم إليكم. كما يقال عندنا: أقول قولي هذا، وأستغقر الله العظيم لي ولكم. إنه غفور رحيم.
الفن التاسع من الجملة الأولى في المنطق من كتاب (الشفا)
ثمانية فصول
نقول نحن اولا ان الشعر هو كلام مخيل مؤلف من اقوال موزونة متساوية - وعند العرب: مقفاة. ومعنى كونها موزونه ان لها عدد ايقاعي؛ ومعنى كونها متساوية هو ان يكون لها قول منها مؤلفا من اقوال ايقاعية فان عدد زمانه مساو لعدد زمان الآخر ومعنى كونها مقفاة هو أن تكون الحروف التي يختم بها كل قول منها واحدة.