وأما المجيب فلا يحتاج في المشاجرة إلى اقتصاص كثير، وخصوصًا إذا أنكر الأمر أصلًا، أو أنكر الضرر. وجميل به أن يورد حججًا في تصحيح إنكاره بردها على الشاكي أو في إلزامه الصفح. ويجب أن يكون الاقتصاص وخصوصًا من المعتذر لطيفًا مقبولًا، فيه كلام خلقي يدل على الخير ويدعو إليه، فيقيد المتكلم سمتًا ومحلًا وهيئةمحمودة، وذلك يوهم أنه لا يختار إلا الخير. فإن الكلام الخلقي يتعلق بالاختيار. ولذلك ليس في التعاليم قول خلقي يتعلق بجميل أو قبيح، أو نافع أو ضار. اللهم إلا عند بعض أصحاب سقراط. وقد تستعمل الأقاويل الخلقية دلائل على خلق الخصم. مثلًا إذا قيل: إنه يتكلم ويمشي معًا، فيدل ذلك على أنه نزق، عجول، وأنه لا يتكلم عن روية، بل يعتمد المجازفة. لأن الأحوال الخلقية تستند إلى هيئات الاختيار. وإذا لم يقع بذلك تصديق، دل عليه بعلامة وعلة ومثال مما فعله. وأيضًا فقد يجب على المجيب أن يرذل الأخذ بالوجوه، بأن يقول: هذه حيلة؛ وهذا تباكي الطرارين.
والاقتصاص لا يدخل في المشورة، كما قلنا مرارًا، إلا بالعرض، حين يعزم على ذكر أمر كان، واقتصاصه، والإحتجاج على حاله، وما يلزمه من الخير أو الشر، ثم ينتقل عنه الى المشورة. وكذلك إذا ابتدأ بضرب مثل أو بمدح، ثم انتقل إلى المشورة، فيحتاج أن يصحح ما يقتصه، إن كان مكذبًا؛ وخصوصًا الشاكي، إذا كان خصمه ينكر أصل الفعل. وأما إذا سلم، ثم جحد أنه ضر بما فعله، أو ادعى أنه عدل فيه، وأنه كان السبب فيه خصمه، وأنه ابتدأه به، فقد ضيق عاى نفسه الاحتجاج؛ وخصوصًا في الأخير من الوجهين: وذلك حين يقر بالفعل وبالضرر، ويدعى الاستحقاق. فإنه يجعل المسيء هو الشاكي، فيحتاج أن يبين أمورًا. وأما إذا جحد الأصل، فقد ضيق الأمر على شاكيه. والمماراة في المشورة هي: إما في أن الأمر لا يكون ولا ينفع، أو يكون ولا ينفع، أو ينفع ولا يكون بعدل، وأن المشار اليه ليس مما يحتاج إليه في الأمر، أو أنه يجب أن يكون لا على هذا النحو بل على نحو آخر.
والدلائل نافعة. والأمثلة أنفع في المشورات بمقايسة ما يكون بما قد كان. وأما الضمائر فهي في الخصومة أنفع؛ فإن المثالات قليلة النفع فيها، لأن المشكو كائن وداخل في الوجوه. فيجب أن يغير نظام الضمائر على ما قيل في الجدل. وفي بعض المواضع يجب أن تذكر على الترتيب إذا كان الكلام قويًا ويزيده الترتيب إيضاحًا. ولتتذكر من علم الجدل ما ينبغي أن تعتمد عليه في ذلك. وإذا أردت أن تحدث انفعالًا، فلا تأت بضمير البتة، فإنهما متمانعان. فإن الانفعال يشغل عن الضمير، والضمير يشغل عن الانفعال. فإن الانفعال يتقرر بالتخييل والألم، ويميل بالاختيار إلى حال؛ والضمير يخبر إخبارًا من غير إختيار.
والمشورة أصعب من المشاجرة، لأن القول في المعدوم أصعب من القول في الموجود. والتعلق بالشريعة في المشاجرات باب قوي، لأن الاحتجاج به مؤكد، ولا يحسر على مخالفته ورده، كما يجسر على رد سائر المقدمات. اللهم إلا أن يقع من الخصم تشكك في أمر الشريعة نفسه. وأما المحمودات في الظاهر فتصلح جدًا في المدح. والتوبيخ أنجح من التثبيت، لما فيه من إحداث الألم، وإحلال الصغار بالمخاطب.
وأما كلام الخصم فبعضه ينتقض، كما علمت، بالمقاومة؛ وبعضه بالمعارضة بقياس آخر. وإذا قاومت في المشورة والخصومة، فمن الحسن أن تبتدئ بنقض ما قاله الخصم، ثم تقصد إلى إثبات نقيض ما حاوله. فإن المشير، إذا أبطل مشورات غيره، أصغى جدا إلى مشورته إصغاء ليس كما لو ابتدأ بالمشورة، خاصة إذا كان ما يشير به منجحا، سديدا، مؤيدا بالتصديق البالغ. وينتفع بأن يقول في جوابه للشاكي: إن المصر على الشكاية لا يلتفت إلى المعذرة. وإنك سليط، فصيح، تماحك في كل شيء، أو تعظم كل شيء، أو تقتدر على الغلبة، وتحسن الكلام، فتصدق عند الناس، ولا تصدق عند الله. أو يقول: أنت لجوج مغري بالإطالة. أو يقول: أنت أبلع، لا تعرف ما تقول؛ والعجب من اشتغالي بك.
فصل
فلنختم هذا الفن بذكر كيفية السؤال والجواب، وكيفية الخاتمة.