يكون السامع أو الخصم عرف قدر الأمر، فيحتاج أن ينبه قدره بالتصدير.ون السامع أو الخصم عرف قدر الأمر، فيحتاج أن ينبه قدره بالتصدير.
وأما مقاومة الشكاية فتارة أن يقول: لم يكن؛ وتارة أن يقول: كان، ولم يضر. وإنكار كون ما يشكى أصلًا، فهو على وجهين: لأنه إما أن ينكره أصلًا، أو ينكر كون جميع ما قال، فيقول: ولا كل هذا. وإنكار الضرر على وجهين: إما أن ينكره أصلًا، أو يقول: لم يكن الضرر عظيمًا. وأيضًا من إنكاره أن يقول: لم يكن قبيحًا، بل كان واجبًا؛ أو يقول: لم يكن لها كبير مقدار قبح. ووجه آخر أن يدعى الخطأ والزلة. ووجه آخر أن يقول: إن هذا كثير الشكاية بالجزاف، فقد شكاني، أو شكا فلانًا، ولم يكن من ذلك شيء. وموضع آخر أن يقول: كانت نيتي جميلة فيما فعلته؛ وإن كنت آذيتك، فقد كانت فيه مصلحة لك. كالذي يحنث في يمينه فيرى وجه التخلص أن يدعى نية مضمرة تخالف الظاهر من الحلف. ونحو آخر أن يقابل السيئة المشكوة بحسنات مشكورة، فإن هذا يوهن أثر الشكاية. وقد يقابل هذا، فيقال: والدهاة إذا أرادوا أن يضروا، غمروا المضرور أولًا بالمنافع ليؤمنوا. ويقال: إن أسأت فعلًا، فقد أسأت شكايته. وهذه المقابلة هجاء ما للشاكين، ونسبة إياهم إلى التزوير والسعاية. ثم يقال: إن الساعي يمدح عند المسعى إليه يسيرًا، ويهجى عند الناس كثيرًا؛ وإن المعتذر أكرم من الشاكي، فإن المعتذر ينحو نحو الفضيلة، ويثبت العدل؛ والشاكي ينحو نحو المذمة، ويحاول أن يثبت الأمر الخسيس الذي هو الجور.
والاقتصاص هو ايجاز لما يراد أن يظهر ويوضح بعد، ولكن لا على ذلك النسق والترتيب، بل بإشارة جزئية. وربما كان الاقتصاص مخلوطًا بشيء غير صناعي، وربما كان مخلوطًا بالصناعي. ولما كان الاقتصاص كالرسم للتصديق، وكان شيئًا يحتاج أن يثبت في الذهن أولًا إلى أن يتمم ويرى، فيجب أن لا يراعى فيه حقوق الترتيب، فيخرج به عن الغرض فيه. وكثير من الأشياء ظاهرة، ولا تحتاج إلى اقتصاص مجمل، لأن الجملة من أمره ظاهرة. إنما الحاجة فيه إلى اتباع التصديق بالتفصيل. فذلك هو المطلوب. مثلًا: إذا كان يخطب في مدح إنسان، وذلك الإنسان معروف بمدح الناس إياه، ومجهول الممادح بالتفصيل، فإذا وقع الاقتصاص قبل التفصيل، لم يفد معرفة شيء ليس عند الناس به معرفة مما يجب أن يفاد بالقول حتى يعتقد ويرى. فإذا لم يحتج إلى ذلك، فالأولى أن يعرض عنه، ويشتغل بالبيان. فمثل هذا لا يحتاج إلى اقتصاص. اللهم إلا أن يكون الحاكم غريبًا، فيحتاج أن يفعل ذلك.
ويجب أن يأتي الخطيب في المديح بالتصديقات المأخوذة من الأفعال والأوصاف الخاصة بالممدوح، فبها تعظم الفضيلة. وأما الأمور الاتفاقية والخارجية فيؤتى بها لتأكيد التصديق، كما يقال: وبالحرى أن كان ت وهو ولد الفاضلين - فاضلًا.
والمشورة تشارك المدح، وبأدنى تغيير لفظي يصير المدح مشورة، كما إذا قلت: هو فاضل لأنه يفعل كذا وكذا، كان مدحًا. فإن قل: أفعل كذا وكذا، تكن فاضلًا، كان مشورة. وأما الممادح البختية فقد تقلب إلى المشورة من وجه آخر، بأن يقال: لا تعتمد الجد، بل الكد فينقلب هذا في المشورة إلى مكان المذموم، وذلك لأن المدح الحقيقي أيضًا إنما هو بالأمور المكتسبة، لا الاتفاقية. ولذلك قد تنقلب المشورة التي ذكرناها مدحًا، فيقال: إنما يجب أن يمدح مثل فلان المدرك بجده، لا بكده. ولا شك في أن التقلب ربما أخر إلى باب الضد. والأولى بالصدر والاقتصاص أن يكون معتدلًا، وأن لا تخلط به التصديقات فيشوش النظام، وإذا خلط الاقتصاص بذكر فضيلة القائل، مهد للإصغاء إلى قوله التصديقي، وتكون تلك الفضيلة التي يذكرها من النحو الذي يلتذ به الحاكم.