فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 781

وأنت تعلم أن القياس بالذات - على ما أوضحناه لك في الفن الذي قبل هذا - هو ما تكون إحدى المقدمتين فيه كالجزء تحت الكل، وهي الصغرى. والأخرى كالكل فوق الجزء وهي الكبرى، وتكون النتيجة أيضًا تحت الكبرى كالجزء تحت الكل، حتى يكون العلم بالكبرى علما بالقوة بالنتيجة، وكذلك تكون الكبرى عند النتيجة كالكل عند الجزء، وتكون مقدمة كل ج ب تحت مقدمة لا شيء من ب أ ، ونتيجة لا شيء من ج أ تحت مقدمة لا شيء من ب أ كالجزء تحت الكل. أما كون الصغرى تحت الكبرى وإن كانت تخالف البرى في الكيفية، فلأن ج تحت ب ؛ والحكم على ب كالحكم على ج. وأما في النتيجة فبهذا الوجه وبالاتفاق في الكيفية معا، وهذا لا يوجد لصغرى قياس الخلف مع النتيجة. فإن قولنا بعض ج أ ليس داخلا تحت قولنا ولا شيء من ب أ. ولا أيضًا النتيجة - وهو قولنا ليس بعض ج ب - داخلا تحت قولنا ولا شيء من ب أ. فإذن تحت قولنا صورة القياس بالذات - التي شرطها هذا الشرط - هي للمستقيم لا للخلف.

وأيضًا فمقدمات المستقيم أعرف لأنها معروضة بذاتها مسلمة. ومقدمات الخلُف مشكوك فيها؛ وليست أعرف من النتيجة. بل أحدهما نقيض النتيجة. والقياس الكائن من مقدمات أعرف افضل على كل حال.

ونقول إنه قد يكون علم أشد استقصاء من علم من وجوه ثلاثة: أحدها أن يكون أحد العلمين قد جمع مع الإن اللم ووقف على السبب القريب الذاتي، والثاني اقتصر على الإن فقط. والثاني ان يكون أحد العلمين أخذ الشيء المنظور فيه مجردا بصورته عن المادة، والثاني لم يفعل ذلك، فيكون أشد استقصاء من العلم الذي يأخذ ذلك الشيء مقترنا بمادة. ولذلك )111ب ( فإن علم العدد أشد استقصاء من علم الموسيقى. وكذلك حال علم الهندسة من علم المناظر وعلم الهيئة.

والثالث أن العلم الذي موضوعه الأول معنى بسيط - يشرط أنه مسلوب عنه سائر الزوائد - أشد استقصاء من العلم الذي موضوعه الأول ذلك المعنى وموجب له زيادة. مثاله أن الوحدة والنقطة يوضعان لعلميهما بمعنى بسيط، وهو أن ذات كل واحد منهما غير منقسم، ثم يقترن بذلك في الوحدة ألا يكون لها وضع، وبالنقطة أن يكون لها وضع، فتكون الوحدة أبسط ذاتا من النقطة لأنها ليس لها، مع ذلك المعنى البسيط، زيادة وضع، وللنقطة ذلك المعنى وزيادة وضع. ثم الوحدة موضوعة أولى العدد، والنقطة موضوعة أولى للهندسة. فالحساب أشد استقصاء لذلك من الهندسة.

فقد قرُبنا في هذه الأشياء من محاذاة التعليم الأول ومحاكاته فيه، وكان ذلك غرضنا دون الاستقصاء، فكان هذا النمط من النظر غير مناسب لتصورنا ولا عالق بإفهامنا ولا حسن الانقياد لنا إذا أردنا إتقانه.

المباحث إنما تكون من علم واحد إذا اشتركت في الموضوع الأول وكان البحث فيها إنما هو عن العوارض الذاتية التي تعرض له أو لأجزائه أو لأنواعه، واشتركت في المبادئ الأولى التي منها يتبرهن أن تلك العوارض الذاتية موجودة للموضوع الأول أو لأجزائه أو لأنواعه. فإذا اختلفت في الموضوع الأول وفي المبادئ الأولى للبراهين اختلافا ما تشير إليه - ونعني بالمبادئ الأولى لا المقدمات فقط، بل الحدود وغير ذلك - فليست من علم واحد. فإذا أردت الامتحان فارفع كل شيء إلى مبادئه وجنسه الأول - أي موضوعه - فنجد المختلفات من العلوم مختلفة فيهما مثل مسائل المناظر ومسائل الهندسة. أما في الجنس - أي الموضوع - فنجدهما مختلفين فيه لا محالة. وأما في المبادئ فتجدهما وأن اشتركا فيها بوجه ما، فإنهما يختلفان من وجه آخر. فإنك تجد المبادئ، وهي للهندسة أولا وللمناظر ثانيا. وهذا أمر قد فرغنا منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت