فهرس الكتاب

الصفحة 495 من 781

وليس اختلاف البراهين يوجب اختلافا في هذا الباب، فقد يكون على شيء واحد برهانان مختلفان لا من حدين أوسطين يحمل أحدهما على الآخر فقط، مثل قولنا كل إنسان حيوان، وكل حيوان مغتذ؛ وقولنا كل إنسان نام، وكل نام مغتذ، بل ومن حدين أوسطين لا يحمل أحدهما على الآخر مثل قولنا كل قابل للذة متحرك، وكل متحرك متغير، مع قولنا كل قابل للذة ساكن وكل ساكن متغير. فالأول أحد حديه الأوسطين تحت الآخر: فإن الحيوان تحت النامي. وأما الثاني فهما مختلفان ليس أحدهما تحت الآخر. وكذلك قولنا كل إنسان ضاحك، وكل ضاحك متعجب. وأيضًا كل إنسان مستحي، وكل متعجب: فإن هذين وإن كانا من جملة ما ينعكس على الآخر لأجل موضوعهما، فهما ليسا ما يكون أحدهما تحت الآخر. فقد بان أن اختلاف الحدود الوسطى لا يوجد اختلافا في المباحث من جهة اختلاف علومها. وقد يمكن أن يطلب فيوجد نظير هذا في الشكلين الآخرين: فتوجد الحدود الوسطى المختلفة بالوجهين جميعا تنتج نتيجة واحدة. ولقرب مأخذ ذلك البيان لا نطول الكلام بتفصيله.

وأما أن جعل البرهان غنما هو على الضروري فأمر قد فرغنا منه. وأما أنه قد يكون على الأكثري فبعض المفسرين يأبى أن يكون على الأكثري برهان. بل إنما تسمح نفسه بأن يكون عليها قياس، ويقول لأنها لا يتبعها يقين إذ ليس بها أنفسها يقين. والحق ورأى المعلم الأول يوجب أنه قد يكون على الأكثري برهان مصنوع من مقدمات أكثرية يعطى سببا من أسباب أكثرية، ويكون به يقين غير زائل من جهة ما هو أكثري، وإن كان ظنا من جهة ما هو موجود على ما علمت في مواضع أخرى.

فإن أريد بالبرهان كل قياس يكون على الشيء من جهة العلة وعلى نحو وجوده، فيكون على الأكثري برهان. وأما إن أراد أن يخص باسم البرهان ما كان بالقياسات المعطية للعلة على شرط أن يعطى وجودا غير متغير وغير مختلف وبالفعل الصرف وليس فيه إمكان، فليس على الأكثري برهان، بل قياس ما آخر يصنع من البرهاني والجدلي والخطابي والمغالطي والشعري، ويكون قد تكلف في هذا الاشتراط مالا حاجة إليه. بل الأولى أن يقول إنه لما كان كل بيان إنما يكون لوجود متميز عن لا وجود: وهذا على وجهين: إما أن يكون الاستحقاق دائما فيكون ضروريا، أو غالبا غير دائم - وهو الأكثري. فإذن لا بيان في أمر متميز الوجود إلا لهذين.

ولا برهان على شيء كونه ووجوده اتفاقي لا يتميز بالاستحقاق عن كونه.

لكني أزيد هذا الكلام تحصيلا وأقول: إن الأمور الممكنة يعتبر حال وجودها ويعتبر حال إمكانها. فأما اعتبار حال الوجود في الممكنات على سبيل التوقع فلا طلب فيه إلا عن الأكثريات، ولا قياس إلا عليها، فإن لوجودها فضيلة على لا وجودها في الطبع والإرادة، وعلى الجهة التي أوضحناها في فن سلف. وأما المتكافئ في الوجود واللا وجود فليس يقوم برهان أو دليل على أحد طرفيه إلا قيام مرجح لذلك الطرف مخرج إياه جميع أصنافه برهان على الممكن الأكثري وعلى المساوي وعلى الأقل - أعني البرهان الذي يبين أنه ممكن لا ضروري الوجود العدم - لا البرهان الذي ينذر بوجوده أو لا وجوده، إلا أن يكون شيء منهما أكثريا. وكل ما قلناه في الأكثري الوجود فانقله إلى الأكثري اللا وجود وأنزل أنا عنينا بالوجود الحكم أي حكم إيجابا أو سلبا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت