فهرس الكتاب

الصفحة 691 من 781

والسبب المقدم في ذلك، وفي كل ضلالة، سبب واحد وهو: العجز عن الفرق بين الشيء وغيره، والفرق بين النقيض وغير النقيض؛ فإن الجهل بأن غير النقيض نقيض، كالجهل بالفرق بين الشيء وهو هو. وهذا النمط من الجهل قد يوجد، أولا يخص أنواع الغلط الواقع من طريق اللفظ؛ فإن جميع هذه الوجوه اللفظية تشترك في أن ما يخص التبكيت من أنه على النقيض لا يؤخذ محققا فيه، بل يكون النقيض غير نقيض في الحقيقة، بل في الظن فقط، إما فيما ينتج مخالفا لوضع القائل، وإما في المقامات المأخوذة فيها شيء على أنه نقيض باطل، ويكون غير نقيضه.

وأما الذي باشتراك الاسم فسببه العجز عن ملاحظة المعنى، وعن قسمة المعاني، وخصوصا في الأشياء الخفية الاشتراك، مثل: الواحد والموجود، حتى يتميز ما هو عما ليس هو هو، والهو هو وما ليس بنقيض عن النقيض. والسبب الذي في التركيب والقسمة أيضًا مثل هذا، وهو العجز عن تفصيل الغير عن الهوهو إذا اختلط، فلا يعلم أن حكم المفصل غير حكم المجموع في التعجيم، حتى لا يراعى الخلاف بين الشيء وبين ما يشبهه في الكتابة مخالفة ما في مد أو قصر أو غير ذلك. وكذلك في شكل اللفظ، فإن الذهن في جميع ذلك يعرض له قصور عن ملاحظة المعنى بحسب اختلاف اللفظ، فتارة يظن أن المشارك في اللفظ مشارك في المعنى، وتارة يظن أن المفارق في اللفظ موافق في المعنى، كأن حكمه هو حكم الشيء على الشيء حكمه حكم الشيء، وأن اللفظ أو حال اللفظ الذي يشارك فيه النقيض غير النقيض هو في معنى النقيض، كأن النقيض في اللفظ وحاله هو النقيض في المعنى. ومن قدر على الميز بادر فلاحظ الشيء نفسه، وصارسماعه للفظ إشارة فيه على المعنى، حتى إنه إذا قال:"موجود وواحد"، تميز له مثلا ما هو الأولى بذلك والأخص به كالجوهر الشخصي. على صدقه، لأن السمت فضيلة ما غير فضيلة العلم. وليس إذا حسن سمته ودل على فضيلته، دل ذلك على اصابة رأيه في الأمور الفائبة الخفية كالأمور المستقبلة، بل هذا أولى أن يكون نافعا في الأمور المشاجرية. فإذا حسن سمته، ظن به أنه لم يفعل الجور، أو فعل فعل الجور لا على نحو ما يفعل الجور.

وأما استدراج السامعين فيكون كما علمت بالأقاويل الخلقية والانفعالية. فالخطيب إذا يحوج إلى معرفة ما بالخلائق وبالفضائل وبالانفعالات، حتى يكون له أن يتصرف بها وفيها، تارة ليستعملها، وتارة لينقض استعمال خصمه لها بأن يصرح أنه يحتال لأمثالها عليه، وأما التصديق الذي يكاد أن يوقعه ليس لأحقاقه، بل لأحتياله. فلهذا السبب، ولما سلف لك عرفانه، ما تتناسب صناعة الخطابة والجدل والصناعة المدنية التي تبحث عن الأخلاق والسياسات.

أما صناعة الجدل، فمن حيث ذكرنا. وأما الصناعة الخلقية، فمن حيث المعرفة بالأخلاق والانفعالات. فيكون كأن الخطابة مركبة منها، وليست كذلك بالحقيقة، لأنه لا تتركب صناعة من أجزاء صناعة أخرى، كما علمت في تعليمنا صناعة البرهان، بل وليست المشاركة بينها وبين الأمرين إلا في الموضوعات، وأما التصرف في الموضوع فلا تشارك فيه تينكة الصناعتين. وأما الجدل فإنه، وإن لم يشاركها، فقد يشابهها، لأنه يروم تقريرا بالمخاطبة. وأما الصناعة المدنية فلا تشارك الخطابة في نحو الصرف ولا تشابهه. فإن لك الصناعة ليس مبني أمرها على أن تكون مخاطبة للتقرير، و، ولا نحو بيانها نحوا يقتصر فيه على الإقناع، بل يتعدى فيها ذلك إلى الاعتقاد الجزم. نعم، قد تشارك الخطابة تلك الصناعة في الموضوع، لأنها تشارك كل صناعة في موضوعاتها، وتشاركها في بعض المسائل.

قال المعلم الأول: إن المتكلمين في الخطابة قد أغفلوها وعوصوها وأبهموا وجه الإحاطة بها؛ فبعضهم لسوء التمييز وقلة الاستبصار، وبعضهم للكبر والتيه موهما أن كلامه أرفع طبقة من أن يفهم بسهولة، وبعضهم لأسباب أخرى إنسانية من الحسد وغيره.

فصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت